وقوله: {وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون} وقد ورد في الحديث القدسي الذي يرويه الرسول صلى الله عليه وسلم عن ربه «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم حرامًا فلا تظالموا» .
{كدأب} أي أن ما يصيب الذين كفروا من عذاب في الحياة البرزخية لم يكن خاصًا بهم بل شأنهم في ذلك شأن: {آل فرعون والذين من قبلهم} من الأمم الكافرة سواء بسواء فتلك طريقته تعالى وسننه في جميع من: {كفروا بآيات الله} أي الذين أنكروا دلائل الألوهية: {فأخذهم الله بذنوبهم} إذ أغرقهم بأجسامهم وعذب نفوسهم بعذاب الحريق قبل يوم القيامة: {إن الله قوي} تجلى بقوته على آل فرعون ومن قبلهم فأهلكهم بالغرق ومختلف الوسائل: {شديد العقاب} إذ أخبرهم بما أوقعه ويوقعه بالكافرين من عذاب في البرزخ قبل يوم القيامة: {ذلك} أي ما يصيب الذين كفروا من عذاب نفوسهم ساعة الوفاة جزاء على أعمالها وفقًا لسننه السابقة: {بأن الله} أي بسبب ما اقتضاه عدله من أنه تعالى: {لم يك} في دستوره الذي سنه لمؤاخذة عباده: {مغيرًا نعمة أنعمها على قوم} في الحياة الدنيا: {حتى يغيروا ما بأنفسهم} أي أنه تعالى قد قضى في نظامه الاجتماعي للبشر أن يعلق سعادة الأمة وقوتها وسلطانها على ما يكون في نفوس أبنائها من عقائد وأخلاق وصفات تبنى عليها الأعمال والعادات الظاهرة فإذا ما تغير ما في النفوس تغيرت بسبب ذلك الأعمال وتبدل حال الأمة من حال إلى حال واستحقت نفوس الكافرين العذاب ساعة الوفاة لأنها هي أصل الشرور والآثام ومنها بدأ الكفر والعناد وبهذا يتبين أن الله الكريم لا ينتزع النعم من عباده لمجرد تعلق إرادته بذلك بل نتيجة تطبيقهم لهذه السنن وهي تغيير الأفراد لما بأنفسهم الذي يترتب عليه تغير أعمالهم مما يؤدي إلى زوال نعمهم إذ يصبح الغني فقيرًا والعزيز ذليلًا والقوي ضعيفًا ولما كان هذا الأمر ربما لا يظهر جليًا في حالة الأفراد نظرًا لقصر أعمارهم أخبرنا الله جل جلاله أنه أمر لا بد منه بالنسبة للأمة بمجموعها فإن للعقائد الدينية الصحيحة آثارًا في وحدة الأمة وتكافلها وقوة سلطانها وبدونها تفقد كثيرًا من شخصيتها ومؤهلاتها كما أن للأخلاق أثرًا فعالًا في رقي الأمم وحياتها الاجتماعية فالأمة التي اشتهر أفرادها بالشرف والصدق والأمانة والعدل والاستقامة هي التي يطلق عليها «أمية حية» وفساد أخلاق أغلبية أفراد الأمة نذير بسقوطها من درجة حيويتها وكمالها كما قال أمير الشعراء شوقي: