{وأن الله} أي وبسبب أنه تعالى: {سميع} لأقوالهم: {عليم} بأنفسهم وما يبدو من أعمالهم وبمقتضى علمه بما صدر منهم عذبهم دأبهم في هذا: {كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآيات ربهم} بمعنى أنهم أنكروا دلائل الربوبية وصدقوا فرعون إذ قال لهم أنا ربكم الأعلى: {فأهلكناهم بذنوبهم} أي فطبقنا عليهم عذاب الاستئصال الذي أصاب الأمم السابقة التي كذبت بآيات الربوبية وقد أشار إليهم تعالى في سورة العنكبوت بقوله: {فكلًا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبًا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون} .: {وأغرقنا آل فرعون} بمقتضى تلك السنن: {وكل} من الكافرين بنعم الله والمكذبين بآيات ربهم: {كانوا ظالمين} ولذا سيطبق في كل منهم ما سنه الله من عقوبات.
بعد أن وصف الله ما يصيب نفوس الكافرين من عذاب بأيدي الملائكة يبدأ من ساعة الوفاة بسبب أعمالهم السيئة وأوضح السبب في ذلك وهو ما قضى به نظامه الاجتماعي للبشر الذي علق سعادة الأمة وقوتها على ما يكون في نفوس أبنائها من عقائد وأخلاق وصفات تبنى عليها الأعمال والعادات الظاهرة فلا غرو إذا ما نالت النفوس جزاءها في العالم غير المنظور على انفراد كما حصلت الأجسام على نصيبها من ألوان العذاب قبل الممات شرع يصف الكافرين وما يكون منهم وما ينبغي أن يعاملوا به ليكونوا على علم بحكم الله فيهم فقال: {إن شر الدواب} أي لا شر البشر فحسب: {عند الله} أي في حكمه باعتبارهم مؤاخذين على أعمالهم بخلاف سائر الدواب العجم: {الذين كفروا} أي الذين صدر منهم الكفر الناشئ عن عدم استفادتهم بمواهب السمع والنطق والعقل مما سبق بيانه في تفسيري الآية 22 من هذه السورة: {فهم} بإعلانهم الكفر: {لا يؤمنون} أي لا سبيل إلى إيمانهم، لأنهم تجردوا من أمور ثلاثة لا يتحقق الإيمان إلا بها وهي الإصغاء إلى كلام الله والنطق بكلمة الشهادة واليقين التام بوحدانية الله وعظيم قدرته وسلطانه وما داموا هم شر الدواب وهم لا يؤمنون فهل معنى هذا أن يعاملوا كمعاملة الدواب أم يعذبوا ويقتلوا جزاء على عدم الإيمان وما هو واجب الرسول حيالهم فقسمهم الله إلى ثلاثة أقسام قسم طلبوا من الرسول أن يصالحهم فعاهدهم على أن لا يحاربوه ولا يظاهروا عليه ولا يوالوا أعداءه ويظلوا على كفرهم آمنين على دمائهم وأموالهم وقسم أصروا على حربه وناصبوه العداوة وقسم