الصفحة 999 من 1760

تاركوه فلم يصالحوه ولم يحاربوه بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه وهؤلاء منهم من كان يود نصره في قلبه ومنهم من كان يود نصر أعدائه عليه ومنهم من كان يتظاهر للرسول بالإسلام ويتظاهر لأعدائه بالكفر ليأمن الفريقين وهم المنافقون وقد بين الله حكم الفريق الأول بقوله: {الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة} أي يتكرر منهم عدم الوفاء بما عاهدوك عليه: {وهم لا يتقون} الله في نقض عهدهم فأنذرهم بما يترتب على ذلك من قتالهم، وقاتلهم فعلًا: {فإما تثقفنهم} أي تدركهم وتظفر بهم: {في الحرب} أي بعد إعلانك الحرب عليهم لا خلسة: {فشرد بهم من خلفهم} أي فنكل بهم تنكيلًا من شأنه أن يجعل من وراءهم من الأعداء ينهزمون كالإبل الشاردة التي لا تلوي على شيء: {لعلهم} أي من خلقهم من الأعداء: {يذكرون} أي يتعظون ويعتبرون فلا يقدمون على القتال ولا يعود المعاهد منهم لنقض العهد ونكث الإيمان وفي هذا إشارة إلى أن من حق المسلمين أن يعاهدوا من يعاهدونهم من الكفار ويجب عليهم الوفاء لهم بالعهد فإن نقضوه من تلقاء أنفسهم وتكرر ذلك منهم تعين إعلانهم بالحرب واستعمال القسوة معهم والتنكيل بهم لا بقصد التشفي والانتقام بل ليتعظ غيرهم إذ الحرب في حد ذاتها ليست من الأمور المرغوب فيها في الشرائع السماوية كافة وإنما هي ضرورة اجتماعية يلجأ إليها بقصد منع البغي والعدوان وإعلاء كلمة الحق والإيمان ولذا قال صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف» : {وإما تخافن من قوم خيانة} بأن يظهر لك من تصرفاتهم وقرائن الحال ما ينذر بعدم التزامهم للعهد: {فانبذ إليهم} أي أعلنه بإلغائك عهدهم: {على سواء} أي على طريق سوي واضح لا خداع فيه بمعنى صارحهم بما تلاحظه عليهم وما تخشاه من خيانتهم التي تدعوك إلى نبذ عهدهم قبل إعلانك الحرب عليهم فقد تكون هذه الوسيلة رادعة لهم عن الخيانة ومقدماتها كما دل عليه قوله من قبل: {لعلهم يذكرون} وبدون هذا قد يتهمونك بالغدر والخيانة: {إن الله لا يحب الخائنين} فلا يرضى أن ينسب إلى المؤمنين مفاجأتهم المعاهدين بالحرب قبل الإنذار بنقض المعاهدات وذكر الأسباب الداعية إلى ذلك: {ولا يحسبن} وقرئ: {تحسبن} أيها الرسول أن هؤلاء: {الذين كفروا} بالله وخانوا عهدك مرارًا وتخلصوا من الأسر والقتل إنهم: {سبقوا} أي أفلتوا وتخلصوا من عذاب الله: {إنهم} بكسر الهمزة وقرئ بفتحها: {لا يعجزون}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت