فهرس الكتاب
وقد كانت الشورى منهج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في السياسة والحكم، وقد عقد الإمام البخاري في كتاب الاعتصام في جامعه الصحيح بابًا للشورى، وجعل للباب ترجمة طويلة في فقه أحاديث الشورى، ومن ذلك قوله رحمه الله: « وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ فَلَمَّا لَبِسَ لأْمَتَهُ وَعَزَمَ قَالُوا أَقِمْ فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ بَعْدَ الْعَزْمِ وَقَالَ: لا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ.
«وَشَاوَرَ عَلِيًّا وَأُسَامَةَ فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الإِفْكِ عَائِشَةَ فَسَمِعَ مِنْهُمَا حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ وَلَكِنْ حَكَمَ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ وَكَانَتِ الأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَشِيرُونَ الأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الأُمُورِ الْمُبَاحَةِ لِيَأْخُذُوا بِأَسْهَلِهَا فَإِذَا وَضَحَ الْكِتَابُ أَوِ السُّنَّةُ لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ» . ( [25] )
ثم إن الولاية العامة من أعظم فرائض الدين، والشورى سبيلها بالنص، ومن المقرر شرعًا أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وهي أساس مشروعية الولاية العامة ولزومها.. وأما في الاجتهاد التشريعي فإن الشورى مبدأ غايته تحقيق «التعاون» بين جهاز الحكم في الدولة وممثلي الأمة من أهل الحل والعقد، والتعاون واجب بالنص رعاية لشؤون الأمة وتحقيقًا لمصالحها وتمكينًا لهيبتها وإقامة لشرع الله فيها.
والشورى بما تضم في مجلسها من الكفاءات المتخصصة وأولي الخبرات العلمية التي صقلتها التجارب وسيلة لتحقيق المصلحة والعدل، وكلاهما واجب، فالوسيلة ينبغي أن تكون واجبة بوجوب غايتها، كما قدمنا. ( [26] )
أولًا: الشورى بين الإلزام والإعلام: