فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 120

ويقول الزمخشري: «فإذا قطعت الرأي على شيء بعد الشورى فتوكل على الله في إمضاء أمرك على الأرشد الأصلح، فإن ما هو أصلح لك لا يعلمه إلا الله، لا أنت ولا من تشاور» . ( [29] )

وهذا يعني أن الاستشارة من قبل الإمام ما هي إلا بقصد الاستنارة بالرأي الآخر والاستبيان فقط، وأن رأي الأغلبية أو الجماعة المستشارة ليس له أي إلزام قانوني مطلقًا.

كما يستند القائلون بعدم إلزامية الشورى للحاكم إلى أدلة مستقاة من السنة الفعلية ومنها صلح الحديبية، وأسرى بدر، فقد أمضى الرسول صلى الله عليه وسلم الصلح مع قريش رغم معارضة المسلمين الشديدة في أمور كثيرة.

أما الأدلة المستفادة من السوابق التاريخية لسير الراشدين، رضي الله عنهم، فمنها:

1-مخالفة الصديق رضي الله عنه لجمهور المسلمين بعدم إنفاذ جيش أسامة، فضلًا عن رفضه القاطع لطلبهم تأميرَ غيره ممن هو أسنّ منه، قائلًا: «والله لا أحل عقدة عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو أن الطير تخطفنا والسباع من حول المدينة» ( [30] ) . فقال بعض الأنصار لعمر: قل له فليؤمر علينا غير أسامة، فلما ذكر له ذلك قال: ثكلتك أمك يا ابن الخطاب أؤمر غير أمير رسول الله صلى الله عليه وسلم» ( [31] ) .

وهذا الحادث كما يقول أصحاب هذا الرأي «شاهد بألفاظه وعباراته وتشبيهاته على عدم إلزامية الشورى ... » ( [32] ) .

وقد استشار الفاروق رضي الله عنه المسلمين في سواد العراق، فكان رأي الأغلبية أن يقسمه بين المسلمين، ومنهم عبد الرحمن بن عوف وبلال وكثير من علماء الصحابة، فلم يلتفت عمر إلى رأي الأغلبية، بل أمضى الرأي الذي كان يرى أنه الحق، وجادل من دونه ثم نفذه، وذلك بترك السواد في أيدي أهله، ودفع الخراج على أراضيهم والجزية على رؤوسهم. وهكذا لم يلتزم الفاروق بقول الأغلبية، بل أمضى رأيه. ( [33] )

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت