فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 120

ويقول الدهلوي: «أما معرفة المقاصد التي بنيت عليها الأحكام فعلم دقيق لا يخوض فيه إلا من لطف ذهنه، واستقام فهمه، وكان فقهاء الصحابة قد تلقوا أصول الطاعات والآثام من المشهورات التي أجمعت عليها الأمم الموجودة يومئذ كمشركي العرب، وكاليهود والنصارى، فلم تكن لهم حاجة إلى معرفة لِميِّاتها عما يتعلق بذلك. أما قوانين التشريع والتيسير، وأحكام الدين، فتلقوها من مشاهدة مواقع الأمر والنهي، كما أن جلساء الطبيب يعرفون مقاصد الأدوية التي كانوا في الدرجة العليا من معرفتها» . ( [37] )

وهناك نماذج كثيرة شاهدة على مدى فقه الصحابة لمقاصد الشريعة ومراعاتهم لها في فتاواهم وأقضيتهم وتعليمهم، منها على سبيل المثال:

أ- توقف عمر رضي الله عنه في قسمة سواد العراق حفظًا لمصلحة الجماعة وأجيال الأمة المستقبلة قائلًا: «لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم » ( [38] ) ، ووجه الاستدلال هنا أن عمر رضي الله عنه نظر إلى مصلحة الأجيال القادمة التي قد لا تحظى بما يقيم أودها إذا قسمت الأراضي بين الفاتحين فقط؛ مما يحصر المال في أيدي فئة معينة تتوارثه دون الآخرين، وهذا مناف لمقصد العدل الذي ما أنزلت الشرائع وأرسلت الرسل إلا لإقامته وتحقيقه.

ب- فتوى علي بن أبي طالب رضي الله عنه بتضمين الصناع إذا لم يقدموا بيّنة على أن ما هلك إنما هلك بغير سبب منهم ولا تفريط، قائلًا: «لا يُصْلِحُ الناس إلا ذلك» . ( [39] )

وهو باجتهاده هذا نظر إلى الحفاظ على مصالح الناس بعد أن قلت الأمانة في الصنَّاع؛ لأن الحفاظ على المال من ضروريات التشريع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت