فهرس الكتاب
لقد سبق بيان أن درء المفاسد وجلب المصالح هو مقصود الشارع الأعظم، وهذا المقصد محل اعتبار الشارع في تنزيل الأحكام على الوقائع، بيد أن حدوث الوقائع تكون المصالح فيه مشوبة بالمفاسد، بحيث لا يكون فعل في الوجود أبدًا خالص المصلحة أو المفسدة؛ إذ «المصالح الخالصة عزيزة الوجود» ( [63] ) ، فالأمر عائد إلى الترجيح بين طرفي المصلحة والمفسدة، الحاكم على الأفعال بحسب الغلبة «فالمصالح والمفاسد الراجعة إلى الدنيا إنما تفهم على مقتضى ما غلب: فإذا كان الغالب جهة المصلحة فهي المصلحة المفهومة عرفًا، وإذا غلبت الجهة الأخرى فهي المفسدة المفهومة عرفًا، ولذلك كان الفعل ذو الوجهين منسوبًا إلى الجهة الراجحة، فإذا رجحت المصلحة فمطلوب ويقال فيه: إنه مصلحة، وإذا غلبت جهة المفسدة فمهروب عنه ويقال: إنه مفسدة على ما جرت به العادات في مثله» . ( [64] )
ونسبة المصلحة والمفسدة ليست مطردة في الفعل بل مختلفة ومتغيرة بحسب الأفعال، ولاعتبار اختلاف الزمان والمكان والشخص دور بارز في الموازنة بين النفع والضرر. فقد تتحقق مصلحة الشارع في فعل من الأفعال في إطار زماني ومكاني ما، في حين يرتفع هذا التحقق إذا اختلف هذا الوضع ويؤول الأمر إلى مفسدة، ومن ثم نجد حرص العلماء على مراعاة اختلاف العوائد والأعراف في الفتوى والحكم والقضاء، والاجتهاد لكل واقع بما يحقق مقصد الشارع فيه. وقد قرر الإمام القرافي هذا في قوله: «إن استمرار الأحكام التي مدركها العوائد مع تغير تلك العوائد خلاف الإجماع، وجهالة في الدين، بل كل ما هو في الشريعة يتبع العوائد، يتغير الحكم فيه عند تغير العادة إلى ما تقتضيه العادة المتجددة» . ( [65] )