فهرس الكتاب
ونجد الإمام الشاطبي يضرب لذلك مثلا بـ «ما يكون متبدلًا في العادة من حسن إلى قبح، وبالعكس، مثل كشف الرأس فإنه يختلف بحسب البقاع في الواقع، فهو لذوي المروءات قبيح في البلاد المشرقية، وغير قبيح في البلاد المغربية، فالحكم الشرعي يختلف باختلاف ذلك، فيكون عند أهل المشرق قادحًا في العدالة، وعند أهل المغرب غير قادح» . ( [66] )
وكما تتبدل الأعراف والعادات باختلاف الأمكنة فهي كذلك باختلاف الأزمنة، وهذا يتطلب التحقق من حصول المقصد الشرعي عند إجراء الحكم على الأفعال تبعًا لتغير الزمان والمكان؛ ولذلك نجد الإمام القرافي يؤكد على هذا الجانب المهم فيقول: «فمهما تجدد من العرف اعتبره، ومهما سقط أسقطه، ولا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك، بل إذا جاءك رجل من غير إقليمك يستفتيك، لا تجبره على عرف بلدك واسأله عن عرف بلده، وأجره عليه وافته به دون عرف بلدك والمقرر في كتابك فهذا هو الحق الواضح، والجمود على المنقولات أبدًا ضلال في الدين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين والسلف الماضين» . ( [67] )
أما اعتبار اختلاف الأشخاص فتبرز أهميته في كون تنزيل الحكم على شخص ما محققًا لمقصد الشارع، في حين يعود في تنزيله على شخص آخر بالنقض على مقصد الشارع لاختلاف خصوصيات الشخص وأحواله وظروفه، فإذا كان مقصد الشارع إلزام المكلف بالوسط في سلوكه، لإفراطه أو تفريطه، فإن سنَنَ التشريع اعتماد «طرف التشديد حيث يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الانحلال في الدين، وطرف التخفيف يؤتى به في مقابلة من غلب عليه الحرج في التشديد» . ( [68] )
وقد حاول الإمام ابن عاشور وضع ضوابط لوصف فعل ما بكونه مصلحة أو مفسدة فبينها في خمسة، خلاصتها:
1-أن يكون النفع أو الضر محققًا مطردًا، فالنفع المحقق مثل الانتفاع باستنشاق الهواء، وبنور الشمس، والتبرد بماء البحر أو النهر في شدة الحر مما لا يدخل في الانتفاع به ضر غيره. والضر المحقق مثل حرق زرع لقصد مجرد إتلافه.