فهرس الكتاب
فإنهم قالوا، لتكفنَّ عن سب آلهتنا أو لنسبنَّ آلهتك فنزلت، فسب الأوثان سبب في تخذيل المشركين وتوهين أمر الشرك وإذلال أهله، ولكن لما وجد له مآل آخر مراعاته أرجح -وهو سبهم الله تعالى- نهى عن هذا العمل المؤدي إليه مع كونه سببًا في مصلحة ومأذونًا لولا هذا المآل. ( [6] )
2-وشبيه بما سبق قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قِيلَ: وَكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ، قَالَ يَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ» . ( [7] )
3-قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها في شأن إعادة بناء الكعبة: «يَا عَائِشَةُ لَوْلا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ» ( [8] ) ؛ وذلك لخوفه صلى الله عليه وسلم مما قد يؤول إليه الأمر من مفسدة أعظم، وهي تنكر قلوب العرب لذلك الصنيع، ومن ثم مجافاتهم لهذا النبي لاعتقادهم أنه هادم للمقدسات ومغير لمعالمها.
4-قوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه لما أرادوا أن ينهروا الأعرابي الذي كان يبول في المسجد: «لا تُزْرِمُوهُ» ( [9] ) ، أي لا توقفوه. فإذا كانت مفسدة بول الأعرابي الواقعة محدودة في تنجيس جزء من حرم المسجد، فإن إيقافه سيؤدي إلى مفسدة أكبر كتوسع الأماكن التي سينجسها فضلًا عن جسمه وثيابه، وربما ترتب على ذلك ضرر صحي بالغ.
5-إن أصل اعتبار المآلات مهيع متسع ومسلك غير ممتنع، سار عليه الأئمة الكبار في اجتهاداتهم وفتاواهم:
-فهذا الإمام مالك رحمه الله: «أفتى الأمير حين أراد أن يرد البيت على قواعد إبراهيم فقال له: لا تفعل لئلا يتلاعب الناس ببيت الله» . ( [10] )