فهرس الكتاب
و قد خالف ابن القيم في هذا شيخَه ابنَ تيمية الذي أبطل كل الحيل التي تؤدي إلى إسقاط حق، أو تسويغ محرم، أو إسقاط شرط حرمه الشارع؛ لأن هذه مطلوبات وإهمالها محرم، وكل ما يؤدي إلى المحرم يكون محرمًا، ولو كان في أصل ذاته مباحًا، وكذلك إذا كان غرضه أن يصل إلى أمر محلل، ولكنه لم يستطع الوصول إليه إلا بأمر محرم، فإنه في هذه الحال لا يكون التحايل سائغًا؛ لأن المحرم الذي اتخذ وسيلة إلى الحلال حرام لذاته، كمن يتخذ الخيانة سبيلًا للوصول إلى حقه، أو شهادة الزور سبيلًًا لإثبات حق مجحود، فإنه لا يسوغ؛ لأن الخيانة حرام لذاتها، وشهادة الزور حرام لذاتها، والمفسدة التي تترتب على فساد الشهادات وضياع الأمانات أشد من المفسدة التي تقع بضياع حق مفرد لواحد من الناس، فإنه إن ساغ الاستشهاد بالزور لإثبات حق فيستشهد بالزور لإثبات الباطل، وإذا ساغت الخيانة للوصول إلى الحق فيسوغها لنفسه من يريدها لذاتها، وبذلك يكون أمر الناس فوضى، والحرام لذاته لا يباح مطلقًا، ولا في أي حال إلا للضرورة. ( [41] )
الأدلة الشرعية الناهضة بحظر الحيل:
إن استقراء نصوص الشريعة قد أثبت مبادئ عامة وقواعد كلية ناهضة بحظر الحيل وإبطالها، مما يؤكد إحكام البناء التشريعي العام القائم على مقاصد مغياة من أحكامه، ومن ذلك:
1-اعتبار النيات في الأقوال والأفعال معقد الصحة والفساد، وعلى ضوء توافق قصد المكلف مع مقصد الشارع أو مخالفته يكيف الفعل صحة أو فسادًا، قبولًا أو ردًا؛ لكون الأعمال تابعة لمقاصدها ونياتها، «وأنه ليس للعبد من ظاهر قوله وعمله إلا ما نواه وأبطنه لا ما أعلنه وأظهره» . ( [42] )