مبتكرات القرآن، قال تعالى: - هُوَ الذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ - وقال: ... - كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ -.
سميت آية لأنها دليل على أنها موحى بها من عند الله إلى النبي - لأنها تشتمل على ما هو من الحد الأعلى في بلاغة نظم الكلام، ودليلا على أن القرآن منزل من عند الله وليس من تأليف البشر. لذا لا يحق لجمل التوراة والإنجيل أن تسمى آيات إذ ليست فيها هذه الخصوصية. وأما ما ورد في حديث رجم اليهوديين اللذين زنيا من قول الراوي"فوضع الذي نشر التوراة يده على آية الرجم"قال ابن عاشور فذلك تعبير غلب على لسان الراوي على وجه المشاكلة التقديرية تشبيها بجمل القرآن، إذ لم يجد لها اسما يعبر به عنها.
وتحديد مقادير الآيات مروي عن النبي -، وفي الحديث:"من قرأ العشر الخواتم من آخر آل عمران"الحديث. وكان المسلمون في عصر النبوة وما بعده يقدِّرون تارة بعض الأوقات بمقدار الآيات كما ورد في حديث سُحور النبي - أنه كان بينه وبين طلوع الفجر مقدار ما يقرأ القارئ خمسين آية. ويقول ابن عاشور في هذا الصدد لا يبعد أن يكون تعيين مقدار الآية تبعا لانتهاء نزولها وأمارته وقوع الفاصلة. والذي استخلَصه أن الفواصل هي الكلمات التي تتماثل في أواخر حروفها أو تتقارب، مع تماثل أو تقارب صيغ النطق بها. وأن تلك الفواصل كلها منتهى آيات ولو كان الكلام الذي تقع فيه لم يتم الغرض المسوق إليه. واعتبر أن هذه الفواصل من جملة المقصود من الإعجاز لأنها ترجع إلى محسنات الكلام، فينبغي الوقوف عندما يجب الوقف. وقال ألا ترى أن من الإضاعة لدقائق الشعر أن يلقيه ملقيه على مسامع الناس دون وقف عند قوافيه فإن ذلك إضاعة لجهود الشعراء، وتغطية على محاسن الشعر، وإلحاق للشعر بالنثر. ومن السذاجة أن ينصرف ملقي الكلام عن محافظة هذه الدقائق فيكون مضيعا لأمر نفيس أجهد فيه قائله نفسه وعنايته.
ترتيب الآي: وأما ترتيب الآي بعضها عقب بعض فهو بتوقيف النبي - حسب نزول الوحي، وذلك الترتيب مما يدخل في وجوه الإعجاز من بداعة أسلوبه. على أن الغرض الأكبر للقرآن هو إصلاح الأمة بأسرها. فإصلاح كفارها بدعوتهم إلى الإيمان والإسلام، وإصلاح المؤمنين بتقوية أخلاقهم وتثبيتهم على هداهم وإرشادهم إلى طرق النجاح وتزكية نفوسهم ولذلك كانت أغراضه مرتبطة بأحوال المجتمع في مدة الدعوة، فكانت آيات القرآن مستقلا بعضها عن بعض، لأن كل آية منه ترجع إلى غرض الإصلاح والاستدلال عليه، وتكميله وتخليصه من تسرب الضلالات إليه فلم يلزم أن تكون آياته متسلسلة، ولكن حال القرآن كحال الخطيب يتطرق إلى معالجة الأحوال الحاضرة على اختلافها وينتقل من حال إلى حال بالمناسبة ولذلك تكثر في القرآن الجمل المعترضة لأسباب اقتضت نزولها أو بدون ذلك، فإن كل جملة تشتمل على حكمة وإرشاد أو تقويم معوج.