قحط الناس آخر مدة الناصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد، فأمر القاضي منذر بن سعيد بالبروز إلى الاستسقاء بالناس فتأهب لذلك وصام بين يديه أيامًا، تنفلًا، وإنابة ورهبة، واجتمع له الناس في مصلى الربض بقرطبة، بارزين إلى الله تعالى في جمع عظيم.
وصعد الخليفة الناصر في أعلى مصانعه المرتفعة من القصر ليشارف الناس، ويشاركهم في الخروج إلى الله، والضراعة له، فأبطأ القاضي حتى اجتمع الناس وغصت بهم ساحة المصلى، ثم خرج نحوهم ماشيًا متضرعًا، مختبا، متخشعًا، وقام ليخطب، فلما رأى بدار الناس إلى ارتقابه واستكانتهم من خفية الله وإخباتهم له، وابتهالهم إليه رقت نفسه، وغلبته عيناه، فاستغفر وبكى حينا ثم افتتح خطبته بأن قال: (سلام عليكم) ، ثم سكت ووقف شبه الحصر، ولم يكن من عادته، فنظر الناس بعضهم ببعض لا يدرون ما عراه، ولا ما أراد بقوله، ثم اندفع تاليًا بقوله: (سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءًا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فأنه غفور رحيم) .
استغفروا ربكم، وتوبوا إليه وتزلفوا بالأعمال الصالحات لديه.
قال: فهاج الناس بالبكاء، وجأروا بالدعاء، ومضى على تمام خطبته، فقرع النفوس بوعظه، وانبعث الإخلاص بتذكيره، فلم ينقض النهار حتى أرسل إليه السماء بماء منهمر، روى الثرى، وطرد المحل، وسكن الأزل، والله لطيف بعباده.
دعوة مستجابة من أم لولدها [1]
كان يسكن مع أمه العجوز في بيت متواضع وكان يقضي معظم وقته أمام شاشة التلفاز كان مغرمًا بمشاهدة الأفلام والمسلسلات يسهر الليالي من أجل ذلك لم يكن يذهب إلى المسجد ليؤدي الصلاة المفروضة مع المسلمين، طالما نصحته أمه العجوز بأداء الصلاة فكان يستهزئ بها ويسخر منها ولا يعيرها أي اهتمام.
(1) من كتاب العائدون إلى الله للشيخ محمد المسند جـ (1) باختصار.