6 -إنَّ ما دعا إليه هؤلاءِ هو خلافُ ما عليه هديُ القرونِ الْمُفضَّلةِ، فلا يُعلَمُ مِن هَدْيِ الصحابةِ رضي اللهُ عنهم مَعَ مشاركتِهِم في العِلمِ والمشاورةِ مع بعضِهم لبعضٍ: إلزامُ واحدٍ منهم للآخَرِ بقولِه، بل المعروفُ الْمعهودُ بالنقلِ خلافُه [1] .
وقد صرَّح بحكايةِ الإجماعِ على ذلك غيرُ واحدٍ: كشيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ في الفتاوى ج27/ 296 - 297 ج30/ 79 ج35/ 357، والإمامِ ابنِ القيمِ في إعلامِ الموقعين ج2/ 217.
قالَ الإمامُ الشافعيُّ رحمه الله تعالى: (أجمعَ الناسُ على أنه مَن استبانَتْ له سنةُ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم لَمْ يكنْ له أنْ يدَعَها لقولِ أحدٍ) [2] .
7 -لعلَّه خَفِيَ عليهم: أنَّ التَّقْنينَ مَدْخَلٌ لتَغييرِ الشَّريعةِ بزيادةٍ أو نقصٍ، وتبديلٍ، وتعديلٍ [3] ، فَهُوَ طريقٌ إلى الحكمِ بغيرِ ما أنزلَ الله؟.
قال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ رحمهُ اللهُ: (ووليُّ الأمرِ: إنْ عرَفَ ما جاءَ به الكتابُ والسنةُ حَكَمَ بين الناسِ به، وإنْ لَمْ يعرِفْه وأمْكَنَه أنْ يعلمَ ما يقولُ هذا، وما يقولُ هذا، حتًّى يعرفَ الحقَّ حكَمَ به، وإنْ لَمْ يمكنْه لا هذا ولا هذا ترَكَ المسلمينَ على ما هُمْ عليه، كلٌ يعبُدُ الله على حَسَبِ اجتهادِه، وليسَ له أنْ يُلْزِمَ أحدًا بقبولِ قولِ غيرهِ وإنْ كانَ حاكِمًا، وإذا خرَجَ ولاةُ الأمرِ عن هذا: فقد حكَموا بغيرِ ما أنزلَ اللهُ، ووقعَ بأسهُم بينَهم .. وهذا مِنْ أعظمِ أسبابِ تغيُّرِ الدُّوَلِ، كما قَدْ جرَى مثلَ هذا مرَّة بعدَ مرَّة في زمانِنا وغيرِ زمانِنا، ومَنْ أرادَ اللهُ سعادَته جعلَه يَعتبرُ
(1) انظر: جامع بيان العلم لابن عبدالبر ج2/ 59، مجموع فتاوى شيخ الإسلام ج35/ 384، إعلام الموقعين ج2/ 189 , 209، 211، 260.
(2) الروح ص264 , إعلام الموقعين ج2/ 282 , الاتباع لابن أبي العز الحنفي ص24.
(3) انظر: ج3/ 207 من أبحاث هيئة كبار العلماء.