فهرس الكتاب
يوجد في هذا العصر بعض المنتسبين للعلم ممن يحييون ذكر نجم الدين الطوفي الذي بالغ في تقدير المصالح، حتى قدمها على النصوص الشرعية والإجماع اليقيني، وخالف بهذا كل من أخذ بالمصلحة قبله ممن اعتبرها أصلًا ودليلًا من المالكية ومن وافقهم. فهم لم يعتبروها إلا بشرط عدم معارضتها للنصوص الشرعية والقواعد الكلية. وهذا الذي يُعرف في أصول الفقه بالمصلحة المرسلة. أما المصلحة المعارضة للنصوص الشرعية فهي غير معتبرة، وهي ليست مصلحة حقيقية، وإنما هي موهومة، زينها لصاحبها الهوى والغفلة. ولذلك لا تؤخذ عبارة: (حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) على إطلاقها، وإنما تقيد بعدم معارضتها للنصوص الشرعية والقواعد الكلية.
ومن الأمثلة على الغلو في المصلحة، إباحة الربا بحجة أن الاقتصاد عصب الحياة، والبنوك عصب الاقتصاد، والفوائد الربوية عصب البنوك. ومن الأمثلة أيضًا تحريم الزواج بأكثر من واحدة; لما يترتب على التعدد من مفاسد أسرية ومضار اجتماعية; واحتج المحرم بأن من حق ولي الأمر أن يمنع بعض المباحات جلبًا لمصلحة أو درءًا لمفسدة (34) .