لا تحصل الملكة الفقهية لطالب العلم الشرعي إلا إذا كان قوي المدارك، يعرف مقتضى الكلام ومعناه، فيدرك ما إذا كان اللفظ مجردًا عن القرائن، أو أن له قرينة تصرفه عن ظاهره، سمعية كانت أو لفظية، وهو الذي عبر عنه صاحب جمع الجوامع بقوله: (فقه النفس) (1) وشرحه الجلال المحلي بقول: (شديد الفهم بالطبع لمقاصد الكلام) (2) ، ووضحه الماوردي بقوله: (الفطنة والذكاء ما يصل به إلى معرفة المسكوت عنه من أمارات المنطوق، وإن قلّت فيه الفطنة والذكاء لم يصح منه الاجتهاد) (3) .
وعبر عنه المحلي بالعقل. والعقل غريزة لا تتعلق بالاكتساب. وكلما كان العقل أقرب إلى حالته الطبيعية كلما انطبعت فيه الملكات، كما يعتقد ابن خلدون (4) .
وقد جعل الله العقول معادن الحكمة، ومقتبس الآراء، ومستنبط الفهم، ومعقل العقل، ونور الأبصار، بها يستدل على ما أخبر به من علم الغيوب، فيها يقدرون الأعمال قبل كونها، ويعرفون عواقبها قبل وجودها، وعنها تصدر الجوارح بالفعال بأمرها، فتسارع إلى طاعتها، أو تزجرها فتمسك عن مكروهها (5) .
وقد اختلف في تحديد ماهية العقل تبعًا لكثرة وظائفه، فنقل عن كل من أحمد بن حنبل والمحاسبي أنه غريزة. وروي عن المحاسبي أنه نور في القلب، وقيل: جوهر روحاني خلقه الله تعالى متعلقًا ببدن الإنسان، وقيل: قوة للنفس الناطقة، وقيل: قوة يفصل بها بين حقائق المعلومات (6) .
والتحقيق -كما قال ابن الجوزي- (أن يقال: العقل ينطق بالاشتراك على أربعة معان. أحدها: الوصف الذي يفارق به الإنسان البهائم، وهو الذي استعد لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية. وهو الذي أراده من قال: غريزة، وكأنه نور يقذف في القلب يستعد به لإدراك الأشياء. والثاني: ما وضع في الطباع من العلم بجواز الجائزات واستحالة المستحيلات. والثالث: علوم تستفاد من التجارب تسمى عقلًا. والرابع: أنه منتهى قوته الغريزية إلى أن يقمع الشهوة الداعية إلى اللذة العاجلة) (7) .