الأصل في تكوين الملكة الفقهية أن تتم تحت إشراف أساتذة متمكنين في علمهم، وقدوة في سلوكهم، لأن من شأن الأستاذ المرشد الأمين الناصح أن يقوم ببناء شخصية الطالب، ويعمل على تنمية عقله وتهذيب سلوكه وإعداده للتفاعل مع المجتمع وقضاياه الحية، وأن يراعي في تدريسه مرحلة الطالب، فيقصد إفهام المبتدئ تصور المسائل وأحكامها فقط، وأن يثبتها بالأدلة إن كان العلم مما يحتجُّ له عند من يستحضر المقدمات. وأما إيراد الشبه إن كانت، وحلها فإلى المتوسطين والمحققين (1) .
ويعتبر ابن خلدون حصول الملكات عن طريق التلقين والمشافهة والمباشرة أشد استحكامًا وأقوى رسوخًا من التلقي من الكتب; وذلك لأن التعليم صناعة، والصناعة لا بد لها من صانع ماهر، والصانع الماهر في ميدان العلم والتعلم هو المدرس الحاذق، ولذلك يقول ابن خلدون: (إن حصول الملكات عن المباشرة والتلقين أشد استحكامًا وأقوى رسوخًا، فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكات ورسوخها، والاصطلاحات أيضًا في تعليم العلوم مخلطة على المتعلم، حتى لقد يظن كثير منهم أنها جزء من العلم، ولا يدفع عنه ذلك إلا مباشرته لاختلاف الطرق فيها من المعلمين، فلقاء أهل العلوم وتعدد المشايخ يفيده تمييز المصطلحات بما يراه من اختلاف طرقهم فيها، فيجرد العلم عنها، ويعلم أنها أنحاء تعليم وطرق توصيل، وتنهض قواه إلى الرسوخ والاستحكام في الملكات، ويصحح معارفه وغيرها عن سواها، مع تقوية ملكته بالمباشرة والتلقين وكثرتها من المشيخة عند تعددهم وتنوعهم) (2) .