كما يعتبر ابن خلدون اتصال السند في التعليم من أهم الأمور التي تعين على حذق المدرس ومهارته في التعليم لأنه تجتمع فيه خبرات السابقين، فهو يقول: (كان السند في التعليم في كل علم أو صناعة إلى مشاهير المعلمين فيها معتبر عند كل أهل أفق وجيل... ثم اعلم أن سند التعليم لهذا العهد قد كاد أن ينقطع عن أهل المغرب باختلال عمرانه وتناقص الدول فيه، وما يحدث عن ذلك من نقص الصنائع وفقدانها كما مر، وذلك أن القيروان وقرطبة كانتا حاضرتي المغرب والأندلس واستجر عمرانها، وكان فيها للعلوم والصنائع أسواق نافقة وبحور زاخرة، ورسخ فيها التعليم لامتداد عصورهما وما كان فيها من الحضارة، فلما خربتا انقطع التعليم من الغرب إلا قليلًا...) (3) .
ومما يعين على تكوين الملكة الفقهية عند طالب الفقه أن يقصد من الفقهاء من اشتهر بالديانة وعرف بالستر والصيانة، بأن يكون قدوة لغيره. فقد روي عن محمد بن سيرين أنه قال: (إنما العلم دين فانظروا عمن تأخذون) (4) .. والمدرس القدوة هو الذي رسم نفسه بآداب العلم، من استعمال الصبر والحلم، والتواضع للطالبين، والرفق بالمتعلمين، ولين الجانب، ومداراة الصاحب، وقول الحق، والنصيحة للخلق، وغير ذلك من الأوصاف (5) .
وبالرغم من اتفاق العلماء على أن العلم الشرعي لا بد له من التلقي عن الشيوخ، إلا أننا وجدنا أن مثل علي بن رضوان المصري (453هـ) الذي اشتغل بالأخذ عن الكتب مباشرة، يدعو إلى تحصيل العلم عن الكتب مباشرة، وأنها أوفق من التلقي عن الشيوخ، وألف في ذلك كتابًا (6) .
ولا يسلم لا بن رضوان هذا الادعاء، وقد رد عليه كثير من العلماء مثل: الذهبي في سير أعلام النبلاء، والصفدي في الوافي، والزبيدي في شرح الإحياء.. ويمكن تلخيص ردودهم فيما يلي: