والحقيقة أن الاعتماد الكلي في تلقي العلم على الشيوخ لا يصح، كما أن الاعتماد الكلي في تلقي العلم على الكتب لا يصح، ولكن ينبغي لطالب العلم أن يبدأ تلقيه عن الشيوخ إلى أن يصل مرحلة الإحاطة بمبادئ العلم وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، ومن ثم فلا مانع بعد ذلك من الاطلاع بنفسه على كتب العلم; لأنه مهما اتسع وقت الشيخ لتلميذه فلن يحيط معه بأكثر من أجزاء معدودة. وقد كان ذلك شأن كثير من العلماء مثل الجويني حينما درس علم الأصول على شيخه أبي القاسم الإسفراييني حيث قال: (كنت قد علقت عليه في الأصول أجزاء معدودة، وطالعت في نفسي مائة مجلدة) (12) .
لكن يظل تلقي العلم عن الشيوخ الحاذقين في مراحل التحصيل الأولى ضروريًا للتأسيس وتكوين الملكة الفقهية.. والمتتبع للفقهاء ذوي الملكات الفقهية الراسخة يجد أنهم تتلمذوا في مراحل تأسيسهم على شيوخ حاذقين، من هؤلاء التلاميذ: أبو حامد الغزالي، تتلمذ على إمام الحرمين الجويني، والقرافي تتلمذ على العز بن عبد السلام، وابن القيم تتلمذ على شيخ الإسلام ابن تيمية... وهكذا.
فعلى طلبة علم الفقه أن يتتلمذوا على فقهاء عصرهم الموثوقين، ويطلعوا على الكتب الفقهية الموثوقة. وبذلك يكونون قد جمعوا بين الحسنين، وكان علمهم أتم وأكمل.
المبحث الثالث: المنهاج الدراسي الأصيل
من المقومات الأساسية للملكة الفقهية وجود منهاج دراسي أصيل يتلقاه المتفقه في مراحل دراسته. ويتمثل في العلوم الأساسية التي ينبغي له أن يدرسها وهي:
أولًا: معرفة القرآن وعلومه: