القرآن الكريم هو أقوى شيء في تكوين الملكة الفقهية وبناء الأخلاق والنفوس. وهو الكتاب الخالد، الذي لم تخلق جدته ولم تبل نضارته، وهو المفتاح الرئيس لأقفال الحياة، كما قال الشاطبي: (إن الكتاب قد تقرر أنه كلية الشريعة، وعمدة الملكة، وينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، وأنه لا طريق إلى الله سواه، ولا نجاة بغيره، ولا تمسك بشيء يخالفه. وهذا كله لا يحتاج إلى تقرير واستدلال عليه; لأنه معلوم من دين الأمة. وإذا كان كذلك، لزم ضرورة لمن رام الاطلاع على كليات الشريعة وطمع في إدراك مقاصدها واللحاق بأهلها أن يتخذه سميره وأنيسه، وأن يجعله جليسه على مر الأيام والليالي نظرًا وعملًا لا اقتصارًا على أحدهما) (1) .
وقد كان أكثر الصحابة الملازمين للنبي صلى الله عليه و سلم فقهاء مجتهدين; لأن طريق الفقه فهم خطاب الله وخطاب رسوله وأفعاله، وقد كانوا عارفين بذلك; لأن القرآن نزل بلغتهم وعلى أسباب عرفوها وعلى قصص كانوا فيها، فعرفوا منطوقه ومفهومه، ومنصوصه ومعقوله (2) . قال الإمام الشافعي: (ليس لأحد أن يقول في شيء حلال وحرام إلا من جهة العلم.. وجهة العلم ما نص في الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس على هذه الأصول) (3) . وقال أيضًا: (جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع شرح السنة شرح للقرآن) (4) ثم قال: (وجميع ما حكم النبي صلى الله عليه و سلم فهو مما فهمه من القرآن) (5) .
وقال الشافعي أيضًا: (ليست تنزل بأحد في الدين من نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، فإن قيل: من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة ؟ قلنا ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة; لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول صلى الله عليه و سلم وفرض علينا الأخذ بقوله) (6) .