وقد حدد الأصوليون للمجتهد أن يعرف من القرآن الكريم آيات الأحكام. وحددها الغزالي بخمسمائة آية، وحددها غيره بأكثر من ذلك. ولم يشترطوا حفظها، بل يكتفي بمعرفة مواضعها في القرآن الكريم (7) . وقد اعتبروا ذلك كحد أدنى لتيسير الاجتهاد وتحصيل رتبته.
والحقيقة أنه ينبغي على المتفقه الذي يريد تحصيل الملكة الفقهية عدم الوقوف عند آيات الأحكام، بل يتعدى ذلك إلى جميع آيات القرآن، لأنها لا تخلو من فوائد تتعلق بالأحكام الشرعية، فيشتغل المتفقه بحفظ القرآن الكريم، ويتعمق في تفسيره بالاطلاع على مطولات التفاسير: كتفسير القرآن العظيم لابن كثير، وتفسير الطبري، ومفاتيح الغيب للرازي، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، وأحكام القرآن لابن العربي، وغيرهما; لأن المعاني المأخوذة من كتاب الله كثيرة العدد، يستخرج منها كل عالم بحسب استعداده وقدر ملكته في العلوم (8) .
فالقرآن الكريم لا يخلق بكثرة النظر، وكلما نظر الإنسان فيه ازداد علمًا باستنباط أحكام جديدة. قال ابن العربي في آية: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم... ) (المائدة:6) ، قال بعض العلماء: إن في هذه الآية ألف مسألة، واجتمع أصحابنا بمدينة السلام فتتبعوها، فبلغوها ثلاثمائة مسألة، ولم يقدروا على أن يبلغوها الألف، وهذا التتبع إنما يليق بمن يريد معرفة طرق استخراج العلوم من خبايا الزوايا (9) . في حين أن كتب البشر العلمية والقانونية تخلق بكثرة الرد، ويمل الإنسان من كثرة النظر فيها.