والتحقيق في المسألة -كما يظهر من كلام الغزالي- أن اتفاق العلماء على تكفير خارق الإجماع يتعلق بالمجمع عليه إذا كان معلومًا من الدين بالضرورة (أي بالبداهة) فهو كافر، كمن أنكر وجوب الصلاة والزكاة وحرمة الزنا وغير ذلك، وأما إذا أنكر المجمع عليه مما لم يكن معلومًا من الدين بالضرورة، وهو يسمى بالإجماع الظني، فلا يكفر ولا يفسق; لأن العلماء مختلفون في حجية هذا النوع من الإجماع، كما اختلفوا في وقوعه.
رابعًا: معرفة علم أصول الفقه:
اشترط الأصوليون في المجتهد أن يكون على معرفة بقواعد استنباط الأحكام الشرعية الفرعية، من الوجوب والندب والحرمة والكراهة والإباحة، من أدلتها الإجمالية، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما يلحق بها من الأدلة المختلف فيها من الاستحسان والاستصحاب والعرف والمصلحة المرسلة وغير ذلك مما يطلق عليه علم أصول الفقه (22) ، أو (المنهجية) .. وقد عرفه التهانوي بأنه: (علم يتعرف منه تقرير مطلب الأحكام الشرعية العملية وطرق استنباطها وموارد حججها واستخراجها بالنظر) (23) .
وقد اعتبره الرازي أهم العلوم للفقيه، حيث قال: (إن أهم العلوم للمجتهد علم أصول الفقه) (24) .. واعتبره ابن جزي الآلة التي يتوصل بها للاجتهاد (25) . وقال ابن الجوزي: (من الموظف على الفقيه اللازم له، طلب الوقوف على حقائق الأدلة وأوضاعها التي هي مباني قواعد الشرع، وهذا المعنى هو المعبر عنه بأصول الفقه، له طرفان: أحدهما: إثبات الأدلة على الشرائط الواجبة لها، والثاني: تحرير وجه الاستدلال بها على شرائط الصحة والاحتياط عن مكامن وجوه الزلل وعثرات الوهم عند تعارض الاحتمالات في التفاريع، وهذا الطرف هو الموسوم بالجدل) (26) .