وقال ابن خلدون: (ومعرفتها ضرورية على أهل الشريعة، إذ مآخذ الأحكام الشرعية كلها من الكتاب والسنة، وهي بلغة العرب، ونقلتها من الصحابة والتابعين عرب، وشرح مشكلاتها من لغاتهم، فلا بد من معرفة العلوم المتعلقة بهذا اللسان لمن أراد علم الشريعة) (30) .
وقد اتفق الأصوليون على اشتراط معرفة اللغة العربية في المجتهد; لكنهم اختلفوا في القدر الذي يطلب منه على قولين:
القول الأول: ذهب كثير من الأصوليين، منهم الغزالي والزركشي، إلى أن القدر المطلوب من الفقيه هو القدر الذي يتمكن به من فهم الكتاب والسنة، فيعرف غالب المستعمل، ولا يشترط التبحر فيها، كعلم سيبويه والأصمعي والخليل بن أحمد والأخفش. قال الغزالي: (القدر الذي يفهم به كلام العرب وعادتهم في الاستعمال، إلى حد يميز بين صريح الكلام وظاهره ومجمله، وحقيقته ومجازه، وعامه وخاصه، ومحكمه ومتشابهه، ومطلقه ومقيده، ونصه وفحواه، ولحنه ومفهومه.. والتخفيف فيه أنه لا يشترط أن يبلغ درجة الخليل والمبرد وأن يعرف جميع اللغة، ويتعمق في التأويل القدر الذي يتعلق بالكتاب والسنة، ويستولي به على مواقع الخطاب، ودرك حقائق المقاصد منه) (31) .
والقول الثاني: ذهب الشاطبي إلى أن القدر المطلوب من الفقيه هو التبحر في هذا العلم، حيث قال: (فلا بد أن يبلغ في العربية مبلغ الأئمة كالخليل وسيبويه والأخفش والجرمي والمازني ومن سواهم، وقد قال الجرمي: أنا منذ ثلاثين سنة أفتي الناس من كتاب سيبويه. وفسروا ذلك بعد الاعتراف به بأنه كان صاحب حديث، وكتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش. والمراد بذلك أن سيبويه وإن تكلم في النحو، فقد نبه في كلامه على مقاصد العرب وأنحاء تصرفاتها في ألفاظها ومعانيها، ولم يقتصر فيه على بيان أن الفاعل مرفوع والمفعول منصوب ونحو ذلك، بل هو يبين في كل باب ما يليق به، حتى إنه احتوى على علم المعاني والبيان ووجوه تصرفات الألفاظ والمعاني) (32) .