فهرس الكتاب
والحقيقة أن الفقيه الذي يريد أن يكون الفقه سجية عنده لا بد أن تكون اللغة العربية عنده ملكة، بحيث يفهم نصوص الشريعة من غير تكلف ولا توقف.
وينبغي لطالب الفقه أن يشرع بدراسة متن من متون النحو: كالألفية لابن مالك وشروحها، ثم ينتقل إلى كافية ابن الحاجب وشروحها، ومغني اللبيب وشروحه حتى تحصل له الملكة في النحو. وينبغي أن يطلع على مختصر من مختصرات المنطق ليفهم ما يورده مصنفو النحو. ثم ينتقل إلى دراسة الصرف، فيحفظ الشافية وشروحها ولامية الأفعال. ثم بعد ذلك ينتقل إلى دراسة كتب المعاني والبيان، فيحفظ متنًا من المتون وشرحه. ثم بعد ذلك يطلع على مؤلفات اللغة المشتملة على بيان المفردات كالقاموس واللسان (33) .
فينبغي للجامعات التي تدرس الشريعة الإسلامية، والتي تخرج الفقهاء والمفتين والقضاة والمدرسين، أن لا تستهين بعلوم اللغة العربية، ولا يجوز الاقتصار فيها على مستوى ضعيف أو مجرد مشاركة أو إلمام، قال الشاطبي: (فالحاصل أنه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب، بحيث يصير فهم خطابها له وصفًا غير متكلف ولا متوقف فيه في الغالب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب) (34) .
وقال الشوكاني: (وأن يثبت له من كل فن، النحو والصرف والمعاني والبيان، من هذه ملكة يستحضر بها كل ما يحتاج إليه عند وروده عليه، فإنه عند ذلك ينظر في الدليل نظرًا صحيحًا، ويستخرج منه الأحكام استخراجًا قويًا.. ومن جعل المقدار المحتاج إليه من هذه الفنون هو معرفة مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها، فقد أبعد. بل الاستكثار من الممارسة لها، والتوسع في الاطلاع على مطولاتها، مما يزيد المجتهد قوة في البحث وبصرًا في الاستخراج وبصيرة في حصول مطلوبه.. والحاصل أنه لا بد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة وكثرة الملازمة لشيوخ هذا الفن) (35) .