فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 105

وليعلم الفقيه أن هذه الشريعة مبنية على جلب المصالح ودفع المفاسد، ومن تتبع الوقائع الكائنة من الأنبياء والقصص المحكية في كتب الله المنزلة، علم ذلك علمًا لا يشوبه شك ولا تخالطه شبهة.. ومما يزيد فهم مقاصد الشريعة، دراسة كتاب الموافقات للشاطبي، وقواعد الأحكام في مصالح الأنام للعز بن عبد السلام.

سابعًا: معرفة فروع الفقه:

اختلف الأصوليون في اشتراط معرفة فروع الفقه للمجتهد. فذهب غالبية الأصوليين إلى عدم اشتراطه; لئلا يؤدي إلى الدور; إذ كيف نشترط في المجتهد العلم بفروع الفقه وهو الذي يولدها ويستنبطها (39) ؟! وذهب أبو إسحق الاسفراييني وأبو منصور الماتريدي إلى اشتراط العلم بفروع الفقه (40) . ونسبه الشوكاني إلى الغزالي، حيث قال: (واختاره الغزالي، وقال: إنما يحصل الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق لتحصيل الدربة في هذا الزمان) (41) .

والحقيقة أن ما نسبه الشوكاني إلى الغزالي غير صحيح; لأن نقله عن المستصفى كان مجتزأ، فقد نقل آخر قول الغزالي، ففهم كأن الغزالي يشترط ذلك. والصحيح أنه لم يشترط ذلك. وهذا نص الغزالي في المستصفى: (فأما الكلام -علم الكلام- وتفاريع الفقه فلا حاجة إليهما، وكيف يحتاج إلى تفاريع الفقه وهذه التفاريع يولدها المجتهدون، ويحكمون فيها بعد حيازة منصب الاجتهاد ؟ فكيف تكون شرطًا في منصب الاجتهاد وتقدم الاجتهاد عليها شرط ؟ نعم، إنما يحصل منصب الاجتهاد في زماننا بممارسته، فهو طريق تحصيل الدربة في هذا الزمان، ولم يكن الطريق في زمان الصحابة ذلك. ويمكن الآن سلوك طريق الصحابة أيضًا) (42) .

فإذا كان علم الفقه ليس شرطًا من شروط الاجتهاد المطلق، فإنه شرط لبقية أنواع الاجتهاد وتكوين الملكة الفقهية لدى الفقيه، ليكمل ما قد حازه من شرف العلم، ويتم له ما قد ظفر به من بلوغ الغاية، فإن الفقيه يزداد بذلك علمًا إلى علمه، وبصيرة إلى بصيرته، وقوة في الاستدلال إلى قوته.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت