فهرس الكتاب
اتبع المسلمون في تدريس العلوم الشرعية في العصور الماضية طريقة أصيلة، تقوم على أساس تحفيظ الطالب منذ الصغر متونًا في علوم الشريعة: من عقيدة وأصول فقه ومصطلح حديث وفقه ونحو وصرف وغير ذلك، مما يشتمل على مبادئ العلوم وأساسياتها، بالإضافة إلى تحفيظ القرآن الكريم وبعض الأحاديث السهلة. ثم تدرجوا بالطالب في تعليم العلوم الشرعية إلى أن تتحقق له الملكات العلمية المطلوبة. وهذه هي الطريقة المثلى في تكوين الملكات العلمية للطالب وتقوية الذاكرة عنده.
والطريقة التي كان يتبعها المدرسون للفقه في جميع المذاهب الفقهية أن يبدأ المدرس مع الطالب بتحفيظه مختصرًا في فقه المذهب: مثل العمدة في المذهب الحنبلي لابن قدامة، أو المنهاج في الفقه الشافعي للنووي أو مختصر خليل، أو بداية المبتدي للقدوري. ثم ينتقل بعد ذلك إلى كتاب أوسع يحكي اختلاف الفقهاء في المذهب مثل: المقنع لابن قدامة، أو المهذب للشيرازي. ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الكتب التي تبين أدلة الآراء المختلفة في المذهب: كالكافي لابن قدامة. ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة الكتب التي تحكي مذاهب السلف والمدارس الفقهية المشهورة، وتذكر أدلتهم وما دار بينهم من مناظرات ومحاورات: كالمغني لابن قدامة، ومؤلفات ابن المنذر، وابن حزم، وابن تيمية، وغير ذلك من مؤلفات أهل الإنصاف الذين لا يتعصبون لمذهب من المذاهب ولا يقصدون إلا تقرير الحق وتبني الصواب. فإن المجتهد الطالب للحق ينتفع بها، ويستعين بأهلها، فينظر فيما قد حرروه من الأدلة وقدروه من المباحث، ويعمل فكره في ذلك، فيأخذ ما يرتضيه ويزيد عليه ما بلغت إليه قدرته ووصلت إليه ملكته (1) . ولهذا قيل: (من لم يعرف اختلاف الفقهاء فليس بفقيه) (2) . كما قيل في حفظ المتون: (من حفظ المتون حاز الفنون) .
ولكن هذه الطريقة انتقدت من العلماء من عدة وجوه: