فهرس الكتاب

الصفحة 98 من 105

ومما لا شك فيه أن القولين فيهما مغالاة. فالقول الأول يؤدي إلى الفوضى التي لا تقف عند حد; لأن هذا القول لا يشترط حدًا أدنى من المعرفة لمن أراد الاجتهاد، وإنما يلزم كل واحد من عامة الناس بمن فيهم العالم والمتعلم وراعي الغنم وغيرهم بالاجتهاد. كما أن هذا القول يؤدي إلى زوال هيبة العالم وكرامته وفضله، فهو يستوي مع العبد المجلوب، والراعي في شعب الجبال. وأما القول الآخر فيؤدي إلى التعصب والجمود كما يؤدي إلى عدم احترام النصوص الشرعية، وفتح الباب على مصراعيه للطعن فيها.

والقول الوسط: أن التقليد للمبتدئين ضروري للتأسيس -كما بينا سابقًا- فيحفظ المبتدئ متنًا في مذهب من المذاهب الفقهية. ثم ينتقل بعد ذلك إلى معرفة الدليل من القرآن والسنة، ولا يجوز أن يستمر في حفظ الآراء الفقهية بدون دليل; لأن الملكة الفقهية لا تنمو بالآراء المجردة عن أدلتها الشرعية وعللها ومآخذها; ولأن هذا يؤدي إلى التعصب الذميم. يقول ابن تيمية: (إذا تفقه الرجل وتأدب بطريق قوم من المؤمنين، مثل أتباع الأئمة والمشايخ; فليس له أن يجعل قدوته وأصحابه هم المعيار، فيوالي من وافقهم ويعادي من خالفهم. فينبغي للإنسان أن يعوّد نفسه التفقه الباطن في قلبه والعمل به، فهذا زاجر، وكمائن القلوب تظهر عند المحن، وليس لأحد أن يدعو إلى مقالة أو يعتقدها لكونها تحول أصحابه، ولا يناجز عليها، بل لأجل أنها مما أمر الله به رسوله أو أخبر الله به ورسوله، لكون ذلك طاعة الله ورسوله) (27) .

ثالثًا: الالتزام بحرفية النصوص وعدم تعليل الأحكام:

يوجد في هذا العصر بعض المنتسبين للعلم ممن يحييون ذكر ابن حزم الظاهري في الالتزام بحرفية النص وعدم تعليل الأحكام. وهم ممن لم يتمرسوا بالفقه وأصوله، ولم يطلعوا على اختلاف الفقهاء ومداركهم في الاستنباط، ولا يهتمون بمقاصد الشريعة الإسلامية، ولا يقرون بتغير الفتوى بتغير الزمان والمكان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت