فهرس الكتاب
فنجد منهم من يقول: إن السفر الشرعي هو ما كان على بعد ثلاثة فراسخ عملًا بحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال أو ثلاثة فراسخ صلى ركعتين ) (28) .
فمن سافر ثلاثة فراسخ وهي تعادل (16) كيلو مترًا تقريبًا يعتبر مسافرًا، يفطر في رمضان، ويقصر الصلاة، وهذا غير معقول، فالعرف لا يعتبر تلك المسافة مسافة سفر. ومنهم من يقول: بعدم وجوب الزكاة في عروض التجارة، مع أن أغلب ثروة الأمة اليوم في عروض التجارة. ومنهم من يقول: إن النقود الشرعية ما كان من قبيل الذهب والفضة التي وردت فيها الأحاديث. أما النقود الورقية فلا تعتبر نقودًا شرعية. وعلى هذا لا يجري فيها الربا ولا تجب فيها الزكاة (29) .
والأصل الذي ينبغي أن يستقر في أذهان الفقهاء أن غالبية العبادات تعبدية غير معقولة المعنى، أو غير معللة بعلة معينة، وإنما يطلب من المكلف الالتزام بها ولو لم يدرك لها علة كتقبيل الحجر الأسود. وأما المعاملات فإن غالبيتها غير تعبدية، أو معقولة المعنى، أو معللة بعلة معينة يدركها المجتهد. يقول الشاطبي: (الأصل في العبادات بالنسبة إلى المكلف التعبد دون الالتفات إلى المعاني، وأصل العادات(المعاملات) الالتفات إلى المعاني) (30) .
ويستدل لهذا الأصل باستقراء نصوص الشريعة الإسلامية، فقد جاءت لمراعاة العلل والمصالح، ومن ذلك قوله تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) (النساء:29) ، وقوله تعالى: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العدواة والبغضاء في الخمر والميسر ) (المائدة:91) . قال الشاطبي: (فإنا وجدنا الشارع قاصدًا لمصالح العباد، والأحكام العادية تدور معه حيثما دار، فترى الشيء الواحد يمنع في حال لا تكون فيه مصلحة، فإذا كان فيه مصلحة جاز، كالدراهم بالدراهم إلى أجل يمنع في المبايعة ويجوز في القرض) (31) .
والمصالح التي قصدها الشارع في تشريع المعاملات هي مراعاة الضروريات والحاجيات والتحسينيات.