القول الثاني: أن حكم الاقتراض بالربا في غير دار الإسلام يختلف عنه في دار الإسلام.
وابرز من قال بذلك من المعاصرين هو فضيلة الشيخ العلامة مصطفى الزرقاء رحمه الله تعالى حيث أجاز الاقتراض بالربا في غير دار الإسلام، إذا كان اخذ القرض منهم (أي من غير المسلمين) وإعطاؤهم الربا أوفر لمال المسلم أي بمعنى إذا كان المسلم هو الغالب: وذلك تأصيلًا على مذهب أبي حنيفة ومحمد بن الحسن رحمهما الله تعالى.
جاء في فتاوى الزرقاء (ص626) :"إنّ مذهب أبي حنيفة وصاحبه الإمام محمد انه من دخل دار الحرب مستأمنًا أي بإذن منهم يحل له من أموالهم ما يبذلونه له برضاهم دون خيانة منه، ولو كان بسبب محرم في الإسلام كالربا أن يأخذه منهم ولكن لا يعطيهم الربا، لانّ أموال الحربين عنده في دارهم غير معصومة لكنه دخل مستأمنا, فلا يجوز له اخذ شيء منها دون رضاهم؛ لكن منعه من إعطائهم الربا إنما هو لتوفير مال المسلمين عنهم، فإذا انعكست الآية في بعض الأحوال وصار اخذ القرض منهم وإعطاؤهم الربا أوفر لمال المسلم، يجب أن ينعكس الحكم، لان الحكم يدور مع علته ثبوتا وانتفاء ... فيكون ذلك جائزا ... وليس المراد بدار الحرب في اصطلاح الحنفية أن يكونوا في حالة حرب قائمه بينهم وبين المسلمين، بل المراد بدار الحرب أنها غير إسلاميه بل مستقلة غير داخله تحت سلطه الإسلام [1] ."
وإنني أميل إلى قول الشيخ الزرقاء رحمه الله تعالى بجواز الاقتراض في غير دار الإسلام بالربا اذا كان المسلم هو الغالب بذلك، أو إذا دعت إلى ذلك حاجة مسوغة والحاجة تنزل منزلة الضرورة كما هو معلوم لدى الأصوليين.
والحاجة في المفهوم الأصولي: عبارة عن حاله يكون معها الإنسان في حالة من الجهد والمشقة التي لا تؤدّي به إلى الهلاك إذا لم يتناول المحرم شرعا؛ فهي إذن دون الضرورة في المرتبة، ذلك أن الضرورة هي بلوغ حدا إن لم يتناول الممنوع هلك أو قارب على الهلاك.
-إلا أنني لا أوافق فضيلته باعتبار كل دولة غير داخلة تحت سلطة الإسلام دار حرب, وقد سبق بيان مفهوم دار الإسلام ودار العهد ودار الحرب في هذا البحث فليرجع إليه.
(1) انظر: (فتاوى الزرقاء، ص626) .