وبذلك يتبيّن أنه يشترط لجواز الاقتراض من البنوك الربوية للمقيمين بغير ديار الإسلام إحدى حالتين:
الحالة الأولى: أن تدعو حاجة مسوّغة للاقتراض بالربا, وذلك بان تكون الشدة الباعثة على الاقتراض بالغة درجة من الحرج والمشقة غير المعتادة, على أن يلاحظ في تقدير الأمور الداعية إلى الاقتراض بالربا حالة الشخص المتوسط العادي, وأن تكون الحاجة متعينة, بمعنى ألاّ يكون سبيل آخر من الطرق المشروعة يمكن التوصل من خلالها إلى الغرض المقصود.
ولعلّ من نافلة القول أن نذكر أنّه لا يجوز للناس تناول الحرام لمجرد الشعور بالحاجة وليس لهم ذلك إلا أن يعجزوا عن التخلص من وطأة الحاجة بالوسائل المشروعة أصلًا مع الأخذ في الاعتبار أنّ ما أجيز للحاجة يقتصر فيه على موضع الحاجة فقط, ولا يجوز تجاوزه والزيادة عليه, لأن الحاجة تقدر بقدرها كالضرورة.
فإن قيل إن الذي يبيح الربا الضرورة ... أما الحاجة فلا استدلالًا بقول الشافعي في"الأم":"وليس يحل بالحاجة محرم إلا في الضرورات من خوف تلف النفس فأمّا غير ذلك فلا أعلمه يحل بالحاجة، والحاجة فيه وغير الحاجة سواء" [1] .
وكذلك بما ذكره السيوطي في الأشباه والنظائر:"الضرورة هي بلوغه حدًا إن لم يتناول هلك أو قارب وهذا يبيح تناول الحرام, والحاجة كالجائع لو لم يجد ما يأكله لم يهلك غير أنه في جهد ومشقة وهذا لا يبيح الحرام" [2] .
قلت: إن ما حرم لذاته لا تبيحه الحاجة وإنما تبيحه الضرورة فقط وما حرم سدًا للذريعة تبيحه الحاجة،
وفي ذلك يقول ابن قيم الجوزية في إعلام الموقعين:"ما حرم سدا للذريعة أبيح للمصلحة الراجحة كما أبيح النظر للخاطب والشاهد والطبيب من جملة النظر المحرم" [3] .
(1) أنظر: [الأم, للشافعي, (3/ 238) ] .
(2) انظر: [الأشباه والنظائر, للسيوطي ,ص85] .
(3) أنظر: [إعلام الموقعين, ج2/ص161] .