الصفحة 34 من 66

وأضرب على ذلك أمثلة من واقع فقهنا الإسلامي:

1 -مشروعية بيع العرايا استثناءًا من بيع المزابنة للضرورة وذلك لرفع الحرج عن الناس مع أنها لم تصل إلى حد الهلاك.

والعرايا هي:"بيع الرطب على النخل خرصًا (تقديرًا) بتمر في الأرض كيلًا أو بيع العنب على الشجر خرصًا بزبيب في الأرض كيلًا".

على الرغم من أن الأصل في بيع التمر بالرطب والعنب بالزبيب الحرمة وذلك لعدم تحقق المماثلة ممّا قد يؤدي إلى ربا الفضل، إلا أنه استثني بيع العرايا للضرورة, وهذا عند جمهور الفقهاء.

وصورة ذلك عند أبي حنيفة:"أن يهب صاحب البستان لرجل ثمر نخلات معلومة من بستانه ثمّ يتضرر بدخوله عليه (أي دخول الموهوب له) فيخرصها (أي يقدرها) ويشتري رطبها (أي صاحب البستان) منه (أي من الموهوب له) بقدر خرصه بتمر معجل أي بقدر ما وهب له من الرطب بما يساويه تخمينًا من التمر" [1] .

بكلمات أخرى: أي أن صاحب البستان يقدّر كمية الرطب التي على شجر النخل والتي وهبها لهذا الشخص ويعطيها بقدرها تمرًا, مع العلم بأن هذا التصرف لا يجوز شرعًا لوجود نص صحيح صريح يمنع صحته, وهو ما رواه الإمام مسلم في صحيحه:"نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة", والذي قد اعتبره الفقهاء من أنواع البيوع الربوية.

إلا أن الحنفية أجازوا بيع العرايا للضرورة استثناءً من الأصل, علما أن الضرورة بالمفهوم الأصولي التي تصل إلى حد الهلاك غير متحققة في هذه الحالة، وعلمًا أن بيع الرطب بالتمر بيع ربوي محرمٌ بالنص الصحيح الصريح الذي لا يحتمل الاختلاف.

وإنما رخص بذلك لتأذي وتحرج الواهب بدخول الموهوب له الأرض عند الحنفية, إذا دلّ ذلك على شيء فإنمّا يدلُّ على أن الفقهاء إذا أطلقوا لفظة الضرورة في باب المعاملات أُريد بها الحاجة, بل وذهب فريق

(1) أنظر: [مختصر الطحاوي, ص78, نيل الأوطار, ج5/ص201] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت