وكذلك الفقيه يقول: أن الميتة مثلًا حرام ولكن المفتي قد يجيزها لوجود الضرورة وفق ضوابط وشروط بينها العلماء.
أو يقول الفقيه إن الصوم واجب, بينما قد يمنع المفتي شخصًا من الصوم بسبب المرض ...
والناظر في السنة النبوية يجد لهذه القاعدة تغير الفتوى أصلًا فيها ودليلًا عليها في أكثر من شاهد ومثال.
-فمن ذلك ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص, قال:"كنّا عند النبيّ صلّى الله عليه وسلّم, فجاء شاب فقال يا رسول الله أُقبّل وأنا صائم؟ قال: لا, فجاء شيخ, فقال: يا رسول الله أُقبّل وأنا صائم؟ قال نعم, فنظر بعضنا إلى بعض, فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: قد علمت نظر بعضكم إلى بعض: إن الشيخ يملك نفسه" [1] .
ومثل ذلك: حديث سلمة بن الأكوع, حيث قال: قال النبي صلّى الله عليه وسلّم:"من ضحى منكم فلا يصبحنّ بعد ثلاثة ويبقى في بيته منه شيء".
فلما كان العام المقبل , قالوا:"يا رسول الله, نفعل كما فعلنا في العام الماضي؟ قال:"كلوا وأطعموا وادّخروا, فإن ذلك العام كان بالناس جهد -أي شدة وأزمة- فأردت أن تعينوا فيها, وفي بعض الأحاديث:"إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفت", أي القوم الذين وفدوا على المدينة من خارجها.
ومعنى هذا:"أن النبي صلّى الله عليه وسلّم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي بعد ثلاثة أيام في حالة معينة ولعلّة طارئة وهي وجود ضيوف وافدين على المدينة, فلما انتهى هذا الظرف العارض والعلة الطارئة نزل الحكم الذي أفتى به الرسول تبعًا لها, فإنّ الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا ..."
ومن ثمّ قرر المحققون كالعلامّة"ابن القيّم"وغيره"أنّ الفتوى تتغير وتختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد والنيات" [2] .
(1) رواه أحمد في مسنده, حديث (7054) , وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى: إسناده صحيح.
(2) أنظر: [إعلام الموقعين , (ج3/ ص14 - 15) ] .