الصفحة 5 من 66

وليس معنى هذا أنّ أحكام الشريعة كلها قابلة لتغيّر الفتوى بها, بتغيّر الزمان والمكان والعرف, فمن أحكام الشريعة ما هو ثابت عام دائم ولا مجال فيه للتغير والاختلاف مهما تغيرت الظروف والأحوال, وفي هذا يقول ابن القيم في"إغاثة اللهفان"الأحكام نوعان:

نوع لا يتغير عن حالة واحدة هو عليها, لا بحسب الأزمنة ولا الأمكنة ولا اجتهاد الأئمة كوجوب الواجبات وتحريم المحرمات والحدود المقررة بالشرع على الجرائم ونحو ذلك, فهذا لا يتطرق إليه تغيير ولا اجتهاد يخالف ما وضع عليه.

والنوع الثاني: ما يتغير بحسب اقتضاء المصلحة له زمانًا ومكانًا وحالًا كمقادير التعزيرات وأجناسها وصفاتها فإن الشرع ينوع فيها بحسب المصلحة" [1] ..."

وما أجمل تعبير ابن القيم بمصطلح"تغير الفتوى"اعتياضًا عن"تغير الأحكام".

وهذا في الحقيقة أدق وأصح تعبيرًا, لأن الحكم القديم باقٍ إذا وجدت حالة مشابهة للحالة الأولى, وإنما الفتوى هي التي تغيرت بتغير مناط الحكم.

وفي ذلك يقول الشيخ علي الخفيف رحمه الله تعالى:"... إذا تغير الوسط (البيئة) وتبدل العرف الذي حدثت فيه الواقعة, تغيرت بذلك المسألة وتبدل وجهها وكانت مسألة أخرى اقتضت حكمًا آخر لها ... وهذا لا ينفي أن المسألة السابقة بظروفها لا زالت على حكمها وأنها لو تجددت بظروفها ووسطها لم يتبدل حكمها, فآخذ الأجرة على تعليم القرآن في وسط يقوم أهله بتعليمه احتسابًا لوجه الله وطاعة له غير جائز في كل مكان وفي كل زمان, وأخذ الأجرة على تعليمه في وسط انصرف اهله عن تعليم القرآن والدين إلا بالأجر- أمر جائز في كل زمان ومكان" [2] .

(1) أنظر: [إغاثة اللهفان , لابن القيم, (ج1/ص346 - 349) ] .

(2) أنظر: [محاضرات في أسباب اختلاف الفقهاء, ص257] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت