الصفحة 40 من 66

وقد صرّح ابن الهمام باعتبار البلوى عند التعارض مع النص, حيث قال:"وما قيل: أن البلوى لا تعتبر في موضع النص عنده [1] _ كبول الإنسان- ممنوعٌ بل تعتبر إذا تحققت بالنص النافي للحرج" [2] .

ويقول سعدي أفندي عند كلامه عن رعي الدواب حشيش الحرم الذي ثبت النهي عن قطعه بقوله صلّى الله عليه وسلّم عن حرم مكة:"فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة, لا يعضد شوكه ولا ينفّر صيده ولا يلتقط لقطته إلا من عرّفها ولا يختلى خلاه" [3] .

-ومعنى قوله صلّى الله عليه وسلّم: (لا يعضد شوكه) : أي لا يقطع, وقوله (ولا يختلى خلاه) : أي لا يقطع ويؤخذ والخلا بفتح الخاء هو الرّطبُ من الكلأ (العشب) . فهذا نص صريح في حرمة قطع عشب الحرم, إلا أننا وجدنا من فقهاء الحنفية من يقول بجواز رعي الدواب لحشيش الحرم وذلك لعسر الاستغناء عنه, وفي منعه مشقة عامة تلحق أهل مكة والقادمين عليها للحج أو غيره.

جاء في حاشية سعدي أفندي على شرح العناية مع فتح القدير:"فأين قولهم: مواضع الضرورة مستثناة من قواعد الشرع, فلا يكون القطع بالمشافر [4] في معنى القطع بالمناجل [5] حتى يلحق به" [6] .

ومعنى كلامه: إن رعي الدواب حشيش الحرم مستثنى للضرورة من المنع الوارد في النص, واستثناؤه للضرورة يمنع من إلحاقه بقطع حشيش الحرم بالمناجل.

فكأن سعدي أفندي هنا يرى أن اعتبار المشقة مقدّم على النص على سبيل الاستثناء.

والمشهور عن الإمام مالك وهو المعوّل عليه:"أن خبر الواحد يُردّ إذا كان معارضًا لقاعدةِ من قواعد الشرع ولم تعضده قاعدة شرعية أخرى" [7] .

(1) أي محمد بن الحسن.

(2) أنظر: [فتح القدير (1/ 179) ] .

(3) رواه البخاري , كتاب جزاء الصيد, باب لا يحل القتال بمكة, حديث (1834) , وذكره أيضًا في كتاب الجزية والموادعة, باب الغادر للبر والفاجر, حديث (3189) , ورواه مسلم, كتاب الحجّ, باب تحريم مكة وصيدها , حديث (1353) .

(4) المشافر: جمع مِشفَر أو مشفَر وهو للبعير كالشفة للإنسان, أنظر: [لسان العرب مادة (شفر) ] .

(5) المناجل: جمع مِنجَل وهو حديدة ذات أسنان يحصد به , أنظر: [لسان العرب, مادة (نجل) ] .

(6) أنظر:[حاشية سعدي أفندي (3/ 34)

(7) أنظر: [الموافقات , للشاطبي, (3/ 12,17) ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت