وقد ذكر الشاطبي أن لذلك أصلًا في السلف, فقد ردت عائشة وابن عباس خبر أبي هريرة في غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء, وذلك استنادًا منهما إلى أصل مقطوع به وهو رفع الحرج [1] ...
فالذي يترجح إذن هو اعتبار العمل بالتيسير اعتبارًا لعموم البلوى إذا عارضه نصّ, سواءً أكان النصّ ظنيًا أم قطعيًا, وذلك لأنّ اعتبار عموم البلوى قد ثبت بأدلةٍ كثيرة يحصل بمجموعها القطع باعتبار عموم البلوى سببًا في التيسير, فإذا تحققت عموم البلوى في حادثة وكان ذلك معارضًا بنص ظني فإن العمل بعموم البلوى هو المعتبر, إذ أنّ ذلك من قبيل التعارض بين قطعي وظني, فيقدم القطعي, ويتأكد تقديم العمل بعموم البلوى إذا كان من قبيل الضرورة, فإن مواضع الضرورة مستثناة من نصوص الشرع: وكذلك يكون اعتبار عموم البلوى هو المقدّم عند التعارض مع النص القطعي وذلك لقطعية الأدلة الثابتة بشأن رفع الحرج وكثرتها [2] ... وبناءً على ذلك فما المانع من القول بجواز الإقتراض من البنوك الربوية إذا دعت إلى ذلك حاجة ماسة أخذًا بقاعدة عموم البلوى ورفع الحرج التي سبق ذكرها,
فالنص الوارد في حرمة الإقتراض بالربا هو ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر, قال:"لعن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم آكل الربا وموكِلَهُ وكاتبه وشاهديه, وقال: هم سواء" [3] .
هذا نص عام ينبغي أن يقيد ويخصص بقواعد رفع المشقة والحرج وعموم البلوى الثابتة بالكتاب والسنة.
خصوصًا وأن لعن موكل الربا محرم لغيره (أي سدًا للذريعة) وليس لذاته كأكل الربا ,وذلك لأنه أعان على معصية وباطل, وفي ذلك يقول النووي رحمه الله تعالى:"هذا تصريح بتحريم كتابة المبايعة بين المترابيين والشهادة عليهما وفيه تحريم الإعانة على الباطل" [4]
ومعلوم أن ماحرم سدًا للذريعة تبيحه المصلحة الراجحة عند الفقهاء كما سبق.
(1) الموافقات (3/ 14) .
(2) أنظر: [رفع الحرج, د. يعقوب الباحسين, (ص101) , رفع الحرج, د. صالح بن عبد الله بن حميد, ص (293) ] .
(3) رواه مسلم , حديث (4069) .
(4) انظر: [شرح النووي على مسلم , (ج11/ص28) ] .