فهرس الكتاب
507 -وبقي مسألتان: الأولى:- من اقتصر على وقوفه قبل الزوال فقط، فقد اشتد خلاف أهل العلم فيه، والأكثر على أن الوقوف بعرفات لا يبدأ أصلا إلا بعد الزوال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف إلا بعد الزوال، وقال"لتأخذوا عني مناسككم"وعليه فمن وقف قبل الزوال فقط فلا يصح وقوفه عند هذا الجمع من أهل العلم رحمهم الله تعالى، وقال البعض، وهم الأقل:- إن الوقوف يبدأ من فجر اليوم التاسع، لحديث عروة بن مضرس رضي الله عنه، وفيه"وقد كان وقف بعرفة قبل ذلك ليلا أو نهار ا"فقوله"أو نهارا"يدخل فيه النهار كله، والنهار يبدأ من طلوع فجر يوم عرفة، فلو قرنت هذا مع قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث"فقد تم حجه"لتبين لك أن وقوفه وقوف صحيح معتبر، والحديث وإن كان فيه مقال، إلا أن الأصح أنه يحتج به والمتقرر أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن، وبهذا القول تجتمع الأدلة، فنحمل حديث عروة ابن مضرس على ابتدأ أول الوقوف وانتهائه، فالنهار كله وقت صالح للوقوف، والليل كله وقت صالح للوقوف، ونحمل تأخير النبي صلى الله عليه وسلم لوقوفه إلى الزوال على الأفضلية والأحسن, وبهذا تتآلف الأدلة ويجتمع نظامها، وأنا إلى هذا القول أميل، ويؤيد هذا أنهم أصلا قد استدلوا بحديث عروة نفسه على امتداد الوقوف إلى طلوع فجر يوم النحر فجعلوا الليل كله داخل في الحديث وكذلك نقول نحن:- إن النهار كله داخل في الحديث، فإن قالوا:- ولكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف إلا بعد الزوال، فنقول:- وكذلك خرج منها بعد غروب الشمس، أفلا تجعلون خروجه بعد الغروب مقيدا لحديث عروة في قوله"ليلا"كما جعلتم دخوله بعد الزوال مقيدا للفظة"نهارا"فالأمر واحد، والكلام على الحديث لا يختلف، فكما أن خروجه من عرفات بعد الغروب لم يجعل مقيدا لحديث عروة في الليل، فكذلك نحن نقول:- إن دخوله بعد الزوال لا يكون مقيدا لحديث عروة في النهار، والمتقرر أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين ولا تجمع بين مختلفين، الله أعلم.
508 -المسألة الثانية:- من وقف بعرفة نهارا، ولكنه خرج منها قبل غروب الشمس، فهل عليه دم؟ فيه خلاف طويل، ولكن الأقرب عندي والله تعالى أعلم أنه لا دم عليه، وبرهان هذا أثري ونظري، فأما الأثري فحديث عروة بن مضرس، وفيه"وقد كان وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه"فقوله"تم حجه"دليل على أن لا فدية عليه، لأن الفدية شرعت لجبر الخلل الحاصل من