فهرس الكتاب
516 -ومن حكمة هذا الجمع أن يتفرغ الحجاج للذكر والدعاء، فإنه يوم من أيام الله تعالى المشهودة، والتي ثبتت الأدلة بفضله، فهو موضع تسكب فيه العبرات، وتقال فيه العثرات، وتغفر فيه الذنوب والآثام، ويدنو الله من عباده دنوا يليق بجلاله وعظمته، ويباهي بهم ملائكته, ويقول:-"انظروا إلى عبادي جاءوني شعثا غبرا ..."فعلى الحاج أن يستغل لحظاته فيما ينفع، وأن يكون ملازما للذكر والدعاء طيلة الوقت، بعيدا عن اللغو والرفث، معتزلا بنفسه، مقبلا بقلبه وقالبه على ما يقوله من الأذكار والأدعية، باكيا متضرعا حاضر القلب، لا يشتغل بقيل وقال، ولا مكالمات هاتف أو جوال، فإنها لحظات مباركة ونفحات من الرب عظيمة لا يضيعها إلا المحروم فالله الله أيها الحاج في هذه الأوقات، والله أعلم.
517 -والحق أنه لا يشرع صعود الجبل المسمى بجبل الرحمة، لعدم النقل، ولأن العبادات مبناها على التوقيف، وكل إحداث في الدين فهو رد.
518 -والحق عندي والله تعالى أعلم أن تسميته بهذا الاسم لا بد أن ينتبه لها، لأنها قد أضفت عليه مهابة وقدسية بلا برهان الشرع، وغرت كثيرا من الجهال ممن لا دراية عنده بحقيقة الدين والأصح أن نسميه جبل عرفة، أو نسميه باسمه المعروف بجبل (إلال) على وزن (بلال) والمتقرر في القواعد وجوب سد الذرائع المفضية إلى الوقوع في الممنوع.
519 -والحق أنه لا يشرع البتة أخذ شيء من حصاه ولا من ترابه ولا التمسح به ولا التبرك بشيء من أثره، ولا يشرع فيه أصلا أي شيء، وليس له في الشرع أي حكم، اللهم إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في أسفله عند الصخرات وجعله بينه وبين القبلة، والمتقرر أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة، والمتقرر أن الأصل في باب التبرك التوقيف على الدليل، والمتقرر أن بركة الأعيان والأزمنة والأمكنة مبناها على التوقيف.
520 -والسنة لمن قدر عليها أن يقف تحت جبل عرفات عند الصخرات في أسفل الجبل، ويجعله بينه وبين القبلة، وليس هذا بلازم، بحيث لا بد من إيذاء الناس حتى نصل إليه، أو نضيع الأوقات في الذهاب إليه من الأمكنة البعيدة، بل من كان قريبا عنده، وأمكنه الوقوف في هذا المكان فهو الأحسن، ومن لم يقدر على ذلك، فعرفة كلها موقف كما أسلفنا.