هو حياء المحب من محبوبه , حتى إنه إذا خطر على قلبه في غيبته , هاج الحياء من قلبه وأحسَّ به في وجهه ولا يدري ما سببه , وكذلك يعرض للمحب عند ملاقاته محبوبه ومفاجأته له: روعة شديدة , ولا ريب أن للمحبة سلطانًا قاهرًا للقلب أعظم من سلطان من يقهر البدن , فأين من يقهر قلبك وروحك إلى من يقهر بدنك ؟! ولذلك تعجبتِ الملوك والجبابرة من قهرِهم للخلق وقهر المحبوب لهم , وذلهم له , فإذا فاجأ المحبوب محبه , ورآه بغتةً: أحسَّ القلب بهجوم سلطانه عليه فاعتراه روعة وخوف .
يقول الشاعر:
فما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وإني لتعروني لذكرك هزة لها بين جلدي والعظام دبيب
أو كما قال الشاعر:
فيعثَرُ ما بين الكلام ورجعه لساني بكم حتى ينم بحالي
8/ حياء العبودية:
هو حياء ممتزج من محبة وخوف , ومشاهدة عدم صلاح عبوديته لمعبوده , وأن قدره أعلى وأجل منها , فعبوديته له تستوجب استحياءه منه , لا محالة .
9/ حياء الشرف والعزة:
أما حياء الشرف والعزة فحياء النفس العظيمة الكبيرة إذا صدر منها ما هو دون قدرها ؛ من بذل أو عطاء وإحسان ؛فإنه يستحيي ـ من بذله ـ حياءَ شرف نفسٍ وعزة .
10/ وأما حياء المرء من نفسه:
فهو حياء النفوس الشريفة العزيزة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص , وقناعتها بالدون , فيجد نفسه مستحييًا من نفسه حتى كأن له نفسين , يستحيي بإحداهما من الأخرى , وهذا أكمل ما يكون من الحياء , فإن العبد إذا استحيا من نفسه ,فهو بأن يستحيي من غيره أجدر .
أنواع الحياء
…قال ابن رجب رحمه الله في [جامع العلوم والحكم] :
( واعلم أن الحياء نوعان: ما كان خلقًا وجبلة غير مكتسب , وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها , ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -"الحياء لا يأتي إلا بخير"فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها , فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار.