فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 228

قوم كانوا منقادين إلى رؤسائهم الروحانيين والجسمانيين المتغلبين فقط ، بل لا تؤثر ولا تنفذ العقيدة في ورقة وردة ! وبينما كان المسيح عليه السلام يجتهد في إصلاح انفس القوم وتهذيب أخلاقهم من جهة ، كان من الجهة الآخر يحارب المتغلبين . فمن الطبيعي في المسيح الذي يستقيم على هذه الطريقة إلا ينال كل مقاصده إذ لابد من القوة لتقوية الفكرة ، وإن المجدد الذي لا يملك القوة لا يكون التوفيق رفيقه مهما يظهر على يديه من الخوارق والمعجزات .

ولو كان المسيح عليه السلام مأمورًا بتأسيس شريعة أو دين ناسخ لدين موسى ، لتوسل بكل التدابير والوسائل الموصلة إلى تلك الغاية . أي لكان شرع بوضع أساس الدين بعد إكمال التشكيلات الجديدة على منهج يعين على المسلك وخط الحركة ، لأنه لابد لمن يريد إحداث انقلاب ديني من شدة التحفظ والاحتياط في البداءة ومن السير التدريجي ، وما لم يمكن الحصول على عدد من علماء الدين المتقدم وعلى قسم من رؤساء الملة واكتساب النفوذ والقوة بدرجة كافية ، فان محاولة التجديد تبقى عقيمة ، ولا يتسنى لأي مجدد أو نبي أن يحصل على الانقلاب فجأة ، فان هناك قوة مدهشة ارتجاعية تهلكه في الحال ، وان الأمة لا تقبل قانون التكامل (1) والترقي عن تفهم تستوحش من المشروعات الفجائية وتخشى عواقبها فتعصي أمر مرشدها . وكذلك كل الأعمال الطبيعية والصناعية والفكرية لا تتكامل إلا بالتدرج , وان الله هو الذي وضع قانون التكامل هذا ويدبر الكائنات بموجبه ، وان الحكمة التي تمنع المجدد من إعلان الانقلاب فجأة عقب تلقي الوحي إنما هي حذره من عدم الحصول على المقصد المطلوب ، لا حذر الموت .

(1) يقول مصححه: المراد بقانون التكامل ما يعبر عنه كتاب العربية بناموس الترقي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت