وروى الخلال بإسناد كلهم أئمة ثقات عن سفيان بن عيينة قال: سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ قال:"الاستواء غير مجهول, والكيف غير معقول, ومن الله الرسالة, وعلى الرسول البلاغ المبين, وعلينا التصديق". وهذا الكلام مروي عن مالك بن أنس تلميذ ربيعة بن أبي عبد الرحمن من غير وجه.
(ومنها) ما رواه أبو الشيخ الأصبهاني وأبو بكر البيهقي عن يحي بن يحي قال: كنا عند مالك بن أنس فجاءه رجل فقال: يا أبا عبد الله {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} كيف استوى؟ فاطرق مالك برأسه حتى علاه الرحضاء ثم قال:"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا مبتدعا"فأمر به أن يخرج.
فقول ربيعة ومالك:"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول والإيمان به واجب"موافق لقول الباقين:"أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإنما نفوا علم الكيفية ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه على ما يليق بالله لما قالوا:"الاستواء غير مجهول والكيف غير معقول"ولما قالوا:"أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فان الاستواء حينئذ لا يكون معلوما بل يكون مجهولا بمنزلة حروف المعجم, وأيضا فانه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.