الصفحة 18 من 28

ومع هذا اشتغل الصحابة بالجهاد ونشر الدين ولم يضيِّعوا أوقاتهم في ترقب ابن صياد أين ذهب؟ ومتى يخرج؟ وهل هو الدجال أولا؟ بل عملوا ولكل حادث حديث واكتفوا بالتوجيه النبوي العظيم للتعامل مع أحاديث الفتن (إن يكنه …وإن لا يكنه…) ولم ينزل وحي يحسم الأمر ويكشف المسألة ولو كان مما نحتاجه ولنا فيه فائدة لبيَّنه لنا الذي تركنا على مثل البيضاء ليلها كنهارها، والذي ما من خير إلا ودلَّ الأمة عليه،ولا من شرٍّ إلا وحذَّرها منه،والذي ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون إثمًا . والأيسر لهم هنا أن يخبرهم هل ابن صياد هو الدجال أولا؛ فلما لم يفعل دلَّ على أنه إما أنه لا يعلم ، أو أنه يعلم لكن من الخير لنا ألا نعلم؛ فلذا لم يعط الجواب الحاسم في المسألة، فإن كان لا يعلم فنقول:شيء حجب الله علمه عن نبيِّه فمن التكلف تحري علمه وقد أمره الله أن يقول: { وَمَا أَنَا مَنَ الْمُتَكَلفِينَ } . وأحمد وغيره من أئمة السنة يروون أحاديث المهدي وغيرها فلا يزيدون، ولم يُنقل عنهم تحري تطبيقها، والتنقيب عن زمانها ونحو ذلك.

فالواجب أن يكون هذا مسلكنا في كل ما ليس عندنا فيه من الوحي ما يوجب العلم والتصديق حتى لا نزلَّ كما زلَّ اليهود والنصارى الذين نعى الله عليهم قفوهم ما ليس لهم به علم بقوله: { مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْم إلا اتِّبَاعَ الظَّنّ } وكما زلَّ أقوام من هذه الأمة . ومن قرأ التاريخ القريب والبعيد رأى عبرًا، وإن كانت الأخرى فمن التكلف تطلب علم ما ليس لنا في علمه مصلحة .

وقد ثبت باستقراء التاريخ القريب والبعيد أن كلَّ من حاول تطبيق أحاديث أشراط الساعة على أشخاص بأعيانهم - كالمهدي مثلا -أو فئات بعينها -كيأجوج ومأجوج - أو وقت بعينه أو مكان بعينه فإنه لا يسلم من الخطأ والمجازفة في أكثر الأحيان،ومن إشعال نار الفتن في كثير من الأحيان وما هي إلا ظنون وأوهام،والله سبحانه يقول: { إِن يَتبِعُونَ إِلا الظن وَإِن الظنَّ لاَ يُغنِي مِنَ الحَق شَيئًا . فَأَعرِض عَن مَنْ تَوَلى عَن ذِكرِنَا } [ النجم: 28-29 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت