نفَسَ العالِمِ الذي زلَّ في هذه المسألةِ، مِن نفسِ العالِمِ الذي لم يُحقِّقِ البابَ كلَّه، مِن نفَسِ الأجنبيِّ عَن هذا العِلمِ العالِمِ بغيرِه، مِن نفَسِ الطالبِ المتقدِّمِ الذي لم ترسخْ في العِلمِ قدمُه، مِن نفَسِ المتوسطِ، وربما اشتبَه عليه كلامُ المبتدئِ بكلامِ العاميِّ. أقول: النَّاظِرُ يُمَيِّزُ هذا مِن ذاك، وكلُّ أولئك غيرُ معصومٍ مِن أن يقول باطلًا وبدعةً متأوِّلًا أو جاهلًا.
و (المذكورُ) يَجزمُ مَن يقرأ كلامَه أنَّه مبتوتُ الصلةِ بالعِلمِ، وأنَّه ليس على أيٍّ مِن درجاتِه، غيرَ أنَّ زمانَنا زمانٌ يَقتنِي فيه الكتبَ (الموافقاتِ والظلالَ وحدُّ الإسلام) أعلمُ الناسِ وأجهلُهم! ثم عَظُمَ الأمرُ بأن كانَت هذه الكتبُ في (الشبكة) ؛ فتيسَّرَ الاطِّلاعُ عليها:
إنَّ السِّلاحَ جَمِيعُ النَّاسِ تَحمِلُه * وَلَيسَ كُلُّ ذَوَاتِ المِخلَبِ السَّبُعُ
فكان يَقتِبِسُ مِنها هذا وذاك؛ هذا عالمٌ بما فيها، وذاك علمُه به كعِلمِ المُفَوِّضةِ بصفاتِ اللهِ! تستوي عِندَهم (اسْتَوَى) و (يَضحَكُ) و (يَعجَبُ) و (غَضِبَ) ! ويستوي في فهمِ هذا (الحكم: تكليفي ووضعي) و (المعلوم من الدين بالضرورة) و (جاهلية المجتمع) و (من لم يكفر الكافر فهو كافر) و (لا عذر بالجهل) و (التشريع شرك) ، غيرَ أنَّه يجمَعُها؛ فيخلطها ويعجنها في عقله (الخراعيِّ) ، فتخرج لنا -بالسلامة- مقالاتُ (فضيلةِ الشَّيخِ أبي خُرافةَ الهذَّاءِ) ! فيُدَّعى ما فيها علمًا، ويُدَّعى منهجًا، ويُدَّعى سُنَّةً، وما هو إلا أخبار أبي خرافةَ، لكن بأحكامِ الخوارجِ!
وقد قدَّمتُ أنَّ حصرَ ما عِندَ المذكورِ مِن مهَلْهَلِ الأفكارِ عسِرٌ، لكنني أمثِّلُ لبعضِه بأمثلةٍ تبيِّنُ للمشتغلين بالعِلمِ أنَّه ليس مِنهم، ولأصحابِ السُّنَّةِ في باب الإيمانِ أنَّه ليس مِنهم، وكذلك للعقلاءِ أنَّه ليس مِنهم، وتبيِّنُ لطالبِ الرَّشَادِ والهُدَى أنَّه ليسَ على رشادٍ ولم يُدركْ هُدًى، وأنَّه في المسائلِ العظيمةِ مِن الدينِ يتكلَّم بأنواعٍ مِن الكلامِ: (صاحبُها إلى الاستتابةِ والتَّعزيرِ والتَّعليمِ والتَّفْهيمِ؛ أحوجُ مِنه إلى الردِّ عَلَيه، والمناظرةِ له) [مجموع الفتاوى 27/ 238] .