المُفَسِّرُون: الضَّالون هُمُ النَّصَارَى؛ عَبَدُوا بِغَيرِ عِلمٍ فَضَلُّوا. وقال الله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ} ، وقَرَنَه -تعالى- بالشِّركِ والفواحِشِ في قولِه: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وبيَّن -تعالى- أنَّه مِمَّا يَأمرُ به الشيطانُ في قوله تعالى: {إِنَّمَا يَامُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} ، وأمر بردِّ العِلمِ إلى أهلِه وسؤالِهم فيه في قولِه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، قال الحافظُ ابنُ عبدِ البَرِّ: بعدَ ذِكرِه آثارًا عَن السَّلَفِ في ذمِّ التَّقلِيدِ:(وهذا كلُّه لغيرِ العامَّةِ؛ فإنَّ العامةَ لا بُدَّ لها مِن تَقلِيدِ عُلَمائها عِندَ النَّازِلةِ تَنْزِلُ بها؛ لأنَّها لا تتبين موقعَ الحُجَّةِ، ولا تَصِلُ -بعدمِ الفَهمِ- إلى عِلمِ ذلك؛ لأنَّ العِلمَ درجاتٌ لا سَبيلَ مِنها إلى أَعلاها إلا بنَيل أسفَلِها، وهَذَا هُوَ الحائِلُ بَينَ العامَّة ِوبَينَ طَلَبِ الحُجَّةِ، والله أعلم.
ولَم تختلفِ العلماءُ أن العامَّةَ عَلَيها تَقليدُ عُلَمائها، وأنَّهم المُرادُون بقول الله -عزَّ وَجَلَّ- {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} ، وأجمَعُوا عَلَى أنَّ الأعمى لا بُدَّ له مِن تقليدِ غيرِه مِمَّن يثقُ بمَيزِه بالقِبلةِ إذا أشكَلَتْ عَلَيه؛ فكذلك مَن لا عِلمَ له ولا بصرَ بِمَعْنَى ما يَدينُ بِهِ؛ لا بُدَّ مِن تقليدِ عالِمِه.
وكذلك لم يَخْتَلِفِ العُلَماءُ أنَّ العامَّةَ لا يَجُوزُ لَها الفُتيَا، وذلك -والله أعلم- لجَهلِها بالمعانِي التي مِنها يَجُوزُ التَّحليلُ والتَّحريمُ والقولُ في العِلمِ) [جامع بيان العلم وفضله 2/ 170] ، وقال الله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا} .
هذا تذكيرٌ للأفاضل مِن أمثالِكم؛ ممن نحسبُ ونرجُو أنَّهم يعظِّمون حرماتِ اللهِ ويَجتنبون قولَ الزورِ.
وأما (المذكورُ) ، فإنَّ ما وصفتُه به لم يكن لمطلقِ قولِه الباطلَ، ولا لمطلَقِ سلوكِه البدعةَ، ولا لمطلقِ تعالمِه وقولِه على الله بلا علمٍ بما قال؛ فإنَّ النَّاظرَ يَعلمُ أنَّ قولَ الباطلِ أو سلوكَ البدعةِ يرِدُ على العلماءِ ومَن هم دونَهم، وإنَّه إن نظرَ في كلامِهم الباطلِ ميَّزَ فيه