جهل بَسيطًا بأن يَرُدَّ العِلمَ به إلى أهلِه، ولا يَغرَّه الغَرورُ فيَجعلَه لَه مركَّبًا، ويُركِبَه المَوجَ وليسَ يُحسن الملاحةَ ولا السباحةَ!
وكما أنَّ مَن يَخشى التلَفَ على نفسِه لا يُسلمُ بدنَه لكلِّ مَن أمسكَ بمبضعٍ وقرأ كتابين، ولا هو يَرفعُ مقامَ هذا ويُنزلُه بما بَدَا له وهو بالطبِّ جاهلٌ، فإنَّ مَن يخشى التَّلَفَ على دينِه لا يَتبعُ فيه كلَّ مَن أمسكَ قلمًا؛ فقرَّرَ قاعدةً، وسرَدَ أدلةً، وأصدَرَ أحكامًا، ولا هو يَرفعُ مقامَ هذا في العِلمِ وينزلُه منازِلَ العُلماءِ بِمَا بَدَا لَهُ وهو بالعِلمِ جاهلٌ! ومِن خَيرِ عِلمِ الجاهلِ أن يَعلمَ بأنَّه جاهلٌ؛ قلَّ جهلُه أو كَثُرَ، لِيَقصُرَ تَصَرُّفَه في الدِّينِ -قولا وعملا- بَقدْرِ عِلمِه فيه، وَيَرُدَّ عِلمَ ما جِهلَ إلى مَن عَلِمَه.
والجهلُ المراد: مِنه ما هو تامٌّ، وهو جَهلُ العامِيِّ الصرفِ، وما أكثرَ ما يَقُعُ هذا مُرَكَّبًا بأن يَجهلَ صاحِبُه أنَّه جاهلٌ؛ فيَتَكَلَّمَ بِما يَظُنُّه حَقًّا وَهُو في نَفسِ الأمرِ وعِندَ العلماءِ؛ باطلٌ.
ومِنه ما هو جزئيٌّ قد يلحقُ بالمشتغلِ بالعلمِ ولو كان عالِمًا، وقلَّ أن يكونَ هذا مُرَكَّبًا إلا ما كان بتأويل، ولذا تجد العلماءَ أكثرَ الناسِ إحجامًا عَن الخوضِ فيما يَجهلون، وأقلَّهم تكلُّفًا لِمَا لا يُحسِنون، ورُبَّما وقع مِن بعضِهم ضِدُّ هذا في بابٍ مِن العِلمِ هو أجنبيٌّ عَنه، أو نازلةٍ يَلزمُ لصِحَّةِ الكلامِ فيها علمٌ زائدٌ عَن الشَّرعِيَّاتِ المحضةِ هو فيه جاهلٌ، كمَن تكلَّمَ في بعضِ النوازلِ السياسيةِ المعاصرةِ وبصرُه فيها قليل؛ فعُظَمُ غَلَطُه، وظَهَرَ أثَرُه؛ وكانَ فسادٌ وفتنةٌ وبلايا حلَّت ديارَ المسلمين، أو ساحاتِ الجِهادِ.
وفيما ذكرتُ عبرةٌ تقرِّبُك إلى تصوُّرِ جهةِ الخطأِ عِندَ مَن يَذهبُ -بحسنِ نيةٍ وبغفلةٍ- إلى اتِّباعِ زيدٍ وعمرٍو ظنًّا مِنه -بحُكمِه هو- أنَّهم في العِلمِ على شيءٍ، فافْهَم وقِس واعتبرْ.
وأمَّا أصلُ المسألةِ وهو (حُكمُ كلام الجاهِلِ فيما يجهل) فإنَّه مما لا يكادُ يُنازِعُ في قُبحِه عاقلٌ، وحرمتِه مسلمٌ، والقصدُ إلى تقريرِه -في هذا المقامِ- تطويلٌ لا حاجةَ إليه، وحسبُك أن تتذكَّرَه بقراءتِك لما كَتَبَ عُلَماؤُنا في حُرمةِ العِلمِ وأهلِه، وحسبُك أن تعلمَ أنَّك تدعو اللهَ مِرارًا كلَّ يومٍ أن يُجنِّبَك هذه الأحوالَ الشَّيطانِيَّةَ بِقِراءَتِكَ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ*صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} قال