الصفحة 7 من 30

فِقهِه، تقعيدًا واستدلالا وتطبيقًا وبيانًا لما يَخدمُه، جُعِلَ بعضُه للعاميِّ ليعلَمَ ما يَلزمُه مِنَ الإيمانِ والشرائعِ، وبعضُه للمبتدئِ، وبعضُه للشادي، وبعضُه للمتوسِّطِ، وبعضُه للمتقدِّم، هكذا مراتبُه إلى العالِمِ؛ فإنَّ في العِلمِ كُتبًا لا يَفهَمُها حقَّ الفَهمِ - لا سطحيَّه وظاهِرًا مِنه- إلا العلماء، والعلماءُ في الفَهمِ درجاتٌ أيضًا بحسبِ ما أوتوا مِن سعةٍ في العِلمِ ودِقَّةٍ في الفَهمِ، فمِنهم مَن يَفهَمُه فَهمَ مَن يؤدِّيهِ على وجهِهِ ويحتجُّ له بما سُبِقَ إليه، ومِنهم مَن سبَرَ غَورَه وحقَّقَ فهمَه حتَّى كانَ أهلًا لتجديدِ ربطِه بالوَحيِ، ورَدِّه إلى ما كان عَلَيه السَّلَفُ الأُوَلُ، والتَّصَرُّفِ في قواعِدِه تأصيلًا وتفريعًا وصياغةً بما لا يَخرُجُ عَن حقائقِه، وربَّما كان شأنُه ذلك في بابٍ دونَ غَيرِه، والعُلَماءُ في ذلك بينَ ذلك.

والعاميُّ الصرفُ لا يميزُ (عُمَرَ) العِلمِ مِن (صَبِيغِه) ، ولا يَعرِفُ (شافِعيَّه) مِن (فَردِه) ، ولا (تَيمِيَّه) مِن (مُطَهِّرِه) ، يَقرَأُ لأبي يَحيَى الليبيِّ و (لِلمَذكُورِ) الخُراعيِّ، فيستَوِي عِندَه كلامُ هذا وكلامُ ذاك، وربَّما رجَّحَ التخليطَ على التحقيقِ؛ إذا وافقَ هواه، أو شُبِّهَ له؛ فعِندَ غيرِ الصَّيَارِفَةِ يَرُوجُ الزَّائِفُ، وَهَذَا حالُ كلِّ مَن يَقيسُ الشَّيءَ وَليسَ عِندَه مِقياسُه، وَهَل يُعَدُّ عاقلًا أو يَرجُو صَوابًا مَن وَزَنَ بِالمِسطَرةِ أَو سَطرَ بالمِيزانِ؟

فهل يَجوزُ للعاميِّ - والعاقلُ يعتبرُ بما يَعرِف- أن يَزِنَ عُلومَ الناسِ وهو جاهلٌ لا يَعرِفُ ظاهرَ العِلمِ ويسيرَه فَضلًا عَن دقائقِه ومُهِمَّاتِه؟

وطلبةُ العِلمِ يَعرِفُونَ هذا، وكلُّهم كان يجدُ في نفسِه أنَّ القولَ بكذا في مسألةِ كذا ضعيفٌ، ولمَّا ازدادَ عِلمُه ورَسَخَت قَدَمُه ظَهَرَ له قوَّتُه، وعرَف أنَّه لم يتصوَّرْه فضلًا عَن أن يُصدِّقَه، وكذلك؛ ما أكثرَ ما تجِدُ في كلامِ مَن لا يَفقَه -مِن العلماءِ- في هذا الفنِّ أو ذاك، تضعيفَه لأقوالِ محقِّقيه، واستبعادَه لاستدلالاتِهم؛ لمَّا ضعُفَ اشتغالُه به أو لم يأخذْه عَن أهلِه، وأظهرُ ما يكون هذا لطالِبِه في كلامِ بعضِ مَن عَلا كعبُه في عِلم (الفقه) وزلَّت قدمُه في بابِ السنةِ (الاعتقادِ) ، وضعفَ تحقيقُه لكلامِ السلفِ فيه، وهذا مقامٌ تغني فيه الإشارةُ ليَتَصوَّرَ الناظرُ ما نحن فيه، ولا يُناسِبُه بَسطُ الكلامِ -في هذا- وضربُ المثالِ.

فأحسنُ ما يَفعلُ مَن يخشى اللهَ، أن يَقِفَ حيثُ وقفَ عِلمُه ولا يَمضِي حيثُ مَضَى هواه، فإنَّ ضلالَ الناسِ مِن هذين: الجهل والهوى. وخَيرٌ لمَن يَخشَى اللهَ أن يكونَ جهلُه بما

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت