الصفحة 6 من 30

وَهَكَذا أَمرُ الهَندَسةِ، والسِّياسةِ، وَالاقتِصادِ، وَسائرِ العُلُومِ، تَجِدُ أَهلَها عَلَى مَراتِبَ، وَتَجِدُ النَّاسَ يَحتاطُونَ لِمَا أهمَّهُم مِنها فَلاَ يَقصدونَ إلا عُلَماءَها، وتَجِدُها لا تَخلُو مِن مُتَعالِمِينَ يَهذرُون فِيها بِما لا يُمَيِّزُه مِن صَحيِحِ العِلمِ إلا أَهلُه.

وهَكَذَا أمرُ عُلومِ الشَّريعةِ أيضًا؛ تَجِدُ النَّاسَ فِيها عَلَى مَراتِبَ، وتجِدُ فيها مَن يتعالَمُ بكلامِه فيها بما لا يَفقَه؛ فتجدُ العاميَّ يتكلَّمُ، والمبتدئَ يتكلَّم، والمتوسِّطَ يتكلَّم، ومَن لم ترسخْ قدَمُه يتكلَّم، غيرَ أنَّه قلَّ أن تجِدَ مَن يحتاطُ لدينِه؛ ولا يَأخُذُ عِلمَ الشرعِ إلا مِن أهلِه، وقد راجَت مقالاتُ الجَهَلةِ (الخُراعِيِّين) حتَّى كانَت منزلتُها مِن أهلِ زمانِنا منزلةَ مَتينِ العِلمِ عِندَ السَّابقين، فكانَ العاميُّ يَقرأُ مقالةَ أحَدِهم؛ فتُوافِقُ هواه، أو لا يُحسِنُ تزييفَ ما فيها؛ فتَبْدُو له الحقَّ المُصَفَّى، والدينَ كما نَزَلَ على مُحمِّدٍ -صلى الله عليه وسلم-، فيُسلِّمَ بما فيها، زاعِمًا أنَّه (يَتْبَعُ الدليلَ) ؛ يسمِّي هواهُ بغيرِ اسمِه!

وكمْ ضرَّ بالإنسانِ أكلٌ يخالُه * يُغَذِّي، وكمْ قَتَلَ المَريضَ طَبِيبُه!

وفي [البيان والتحصيل 16/ 369 - 370] :(قال ابنُ القاسِمِ: قالَ مالِك: قالَ عمَرُ بنُ عَبدِ العَزِيزِ: مَن جَعَلَ دِينَه غَرَضًا للخُصُوماتِ؛ أكثرَ التنقُّل. قالَ مالِك: أَراه يَعنِي أصحابَ الأهواءِ.

قال محمَّدُ بنُ رُشدٍ: هذا بَيِّنٌ عَلَى ما قالَه؛ لأنَّ مَن خَاصَمَ أهلَ الأهواءِ والبِدَعِ وجادَلَهم يوشكُ أن يَسمَعَ مِن شُبَهِهِم ما لا يَظْهَرُ له إبطالُه؛ فينتقلَ عَن اعتقادِه إلى ذَلِكَ، فلا يَنبَغِي للرَّجُلِ أن يُمَكِّنَ زائغًا مِن أُذُنِه، ولا ينعمَه عَينًا بالمجادلةِ في بِدعتِه، وبالله التوفيق)انتهى كلامُ ابنِ رشدٍ، وهو نفيسٌ؛ فَعِهِ.

وإنَّ مرادَ اللهِ ورسولِه -صلى الله عليه وسلم- مِن الكلامِ لا يُلقَى في نَفْسِ القارئِ وَحيًا ولا إلهامًا، بل يَفهمُه مَن يفهمُه إذا كان عالِمًا بلغتِه، عالِمًا بسائرِه؛ يَفهمُه بفَهمِ أهلِه، ويَرُدُّ بعضَه إلى بعضِه ليُدرِكَ وجهَه، وليسَ يَحصُل عِلمُ هذا في سنةٍ وسنتين، ولا بالنَّظَرِ في كتابٍ أو كتابين؛ فإنَّ العلماءَ يُفنُونَ أعمارَهم في تحصيلِه، وإنَّ أكثرَ ما كُتِبَ في الإسلامِ كُتِبَ في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت