وإِمَّا أنَّ عَودَ الفَسَادِ هو إِلَى سُوءِ التَّصَرُّفِ زمَنَ الطَّلَبِ، وَهَذَا بابٌ واسِعٌ لَيْسَ يُمكِنُ بَسطُ الكَلامِ فِيهِ فِي مَقامِنا هَذَا؛ غَيرَ أنَّ الغالِبَ عَلَى أَمْثالِ هَؤلاءِ أنَّ لِلعِلمَ عِندَهم خاصَّتَينِ: يُقرَأُ كَمَا تُقْرَأُ الصُّحُفُ السَّيَّارةُ! وَيُؤْخَذُ نَتْفًا مِنَ النَّشَراتِ وَالبَيَاناتِ والكُتُبِ الفِكْرِيَّةِ وَكُتُبِ الرُّدُودِ، وَمَن كَانَ هَكَذَا شَانُه؛ فَلاَ يُرَدُّ جَهْلُهُ إِلَى سُوءِ تَصَرُّفِهِ زمَنَ طَلَبِه، بَلْ إِلَى أنَّه لَمْ يَكُنْ ثَمَّ طَلَبٌ! بَلْ إدْبارٌ عَنِ التعلُّمِ، وأنَفَةٌ مِنْ (لا أَدْرِي) ، وَرَغْبَةٌ عَنْ اتِّباعِ أَهْلِ الشَّانِ، ثُمَّ تَصَدُّرٌ وادِّعاءٌ!
كَمَنْ جَعَلَ الحَضِيضَ لَهُ مِهادًا * ويَزعُمُ أنَّ إخوتَه النجومُ!
هَذَا، وَالْحُكْمُ لِلرَّجُلِ بِأَنَّهُ عَالِمٌ، وَبِأَنَّهُ فِي تَاصِيلِهِ وَتَفْرِيعِهِ وَاسْتِدْلاَلِه وَتَحْقِيقِهِ جارٍ عَلَى سَنَنِ أَهْلِ العِلمِ؛ لا قِيمَةَ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ -أَعْنِي الحُكْمَ- جائِيًا مِنْ أَهْلِ العِلمِ؛ وَالعَاقِلُ يَجِدُ ذَلِكَ فِي كُلِّ عِلمٍ وَفَنٍّ، وَيَعْمَلُ بِمُقْتَضاهُ فِيمَا (يَعْظُمُ أَمْرُه فِي قَلْبِه) ، فَإِنَّنِي وَإيَّاكَ نَقْرَأُ المَقالةَ فِي الطِّبِّ مَثَلًا؛ وَنَجِدُ فِيها مِنَ الكَلامِ عَنِ الأمْراضِ وَأَسْبابِها وَعِلاجِها، وَنِجُدُ فِيها مِنَ التَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ وَذِكْرٍ لِلقَواعِدِ وَالمُصْطَلَحاتِ، وَاسْتِشْهادٍ بِأَقْوالِ أَعْلامِ هَذَا العِلمِ؛ مَا يُخَيَّلُ لَنَا بِهِ أَنَّ كاتِبَها طَبِيبٌ عالِمٌ حاذِقٌ، وَإِذَا قَرَأَها طُوَيلِبُ طِبٍّ مُبتَدئٌ بَانَ لَهُ أَنَّ كاتِبَها مُخَلِّطٌ جَاهِلٌ لاَ يَدْرِي مَا يَخرُجُ مِن رَاسِه! وَيَكتُبُ هَذَا الطُّوَيْلِبُ ما يَرُوجُ عَلَى أَقْرانِه وَيَظُنُّونَه مُحْكَمَ البِناءِ، وَإِذَا رَآهُ طَبِيبٌ مُبْتَدِئٌ ضَحِكَ مِنْهُ، وَقُلْ مِثلَ هَذَا بَينَ الطَّبِيبِ المُبْتَدِئِ وَالعالِمِ الحَاذِقِ المُمَارِسِ، فَالعِلْمُ طَبَقاتٌ، وَكُلُّ أَهْلِ طَبَقَةٍ يُحْسِنُونَ إِذَا تَكَلَّمُوا فِيما يُحْسِنُونَ، وَيَُهْلَِكُونَ (بِالبِنَاءِ لِلفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ) إِذَا تَسَوَّرُوا عَلَى مَا لاَ يَفْقَهُونَ، وَأَنْتَ لا تَجِدُ مَن يَسْتَشْفِي عِنْدَ مَنْ قَرَأَ فِي الطِّبِّ كِتابَينِ، وَلا مَنْ يَقصدُ لِجِراحةِ القَلْبِ الطَّبيبَ المُبتَدِئَ، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ رَخصَتْ عِندَه رُوحُه، وَهانَتْ عَلَيهِ نَفسُه، أو خفَّ - حتَّى قَارَبَ الذَّهابَ- عَقْلُه! بَل عُقلاءُ النَّاسِ يَحتَاطُونَ فِي ذَلِكَ أَشَدَّ الاحتِياطِ وَأَتَمَّه، فَلاَ يَقصدُون فِي صِحَّةِ أَبدَانِهِم غَيرَ المَشْهُودِ لَه بالتَّمَكُّنِ، المَعْرُوفِ بِالخِبرةِ، لا فِي الطِّبِّ وحَسب، بَل في الفَرعِ الذِي يُريدُونَ، فَهَذا لِجِراحةِ القَلبِ، وَذَاك للكُسُورِ، إِلَى آخرِ مَا أَسأَلُ اللهَ لِلقارِئِ وَلِي أَن لا نَحْتاجَه يَومًا!
وَرُبَّما غَلَوا فِي احتِياطِهِم فَأبَوْا أن يَقصدُوا الكُفْءَ المَشهودَ لَه، إِن كَانَ ثَمَّ أَفضَلُ مِنْهُ!