وقَدِ اطَّلَعْتُ عَلَى جُملةٍ وافرةٍ مِمَّا كتَبَه الخوارِجُ المعاصِرُونَ مِنْ مُختَلِفِ الفِرَقِ؛ مِنْ جَماعةِ التَّكْفِيرِ والهِجْرةِ (جَماعةِ المُسلِمِينَ) ، وَأهْلِ التَّوَقُّفِ، وأصْحابِ بعضِ التَّجَمُّعاتِ فِي مِصرَ والسُّودَان والجَزائرِ وغيرِهِم مِمَّن لَحِقَ بِهِم آخِرًا مِنَ الخَوارجِ؛ فَما رَأَت عَينِي أعْظمَ مِنَ المَذْكُورِ جَهْلًا، وَتَخْلِيطًا، وضَعْفًا فِي الفَهْمِ، وَرَكاكةً فِي المَنْطِقِ؛ لِسَانِيِّهِ وَذِهْنِيِّهِ (وإن كان دونَ مَن ذكرتُ في الغُلُوِّ) ، وإِذَا كانَتْ مَقالاتُهُم تَصْلُحُ ذَيْلًا عَلَى كُتُبِ المِلَلِ والنِّحَلِ، فَإنَّ مَقالاتِه أحسنُ ما تَكُونُ: ذَيلًا عَلَى كِتابِ (اخْتِراعُ الخُرَاعِ) لِصَلاحِ الدِّينِ الصَّفَدِيِّ؛ لأنَّ ما فِيها مِمَّا يُدَّعى عِلمًا، ومَنْطِقَه فيه؛ يُشبِهُ أنْ يَكُونَ هَذَى بِهِ أَبُو خُرَافةَ الهَذَّاءُ! (انظُرْ خبَرَ الكِتابِ في"فُصُولٌ فِي الثَّقافةِ وَالأَدَبِ"للشَّيخِ الطَّنْطاوِيِّ رَحِمَه اللهُ، وَقَدْ جاءَ لَقَبُ أبِي خُرافةَ فِيهِ"الهدّ"وَهُوَ تَصْحِيفٌ) ؛ فَكَأَنَّما قَدْ أَلْزَمَ الرَّجُلُ نَفْسَه (أَنْ لا يَاتِيَ إلاَّ بِما هُوَ خَطَأٌ مُحَرَّفٌ عَنْ أَصْلِهِ، مَعْدُولٌ بِهِ عَنْ جادَّةِ الصَّوابِ، مُمَالٌ بِهِ عَنْ سَبِيلِ الحَقِّ) [كما وصفَ الطنطاويٌّ الكتابَ] ، فَلَسْتَ بِقارِئٍ (لِلْمَذْكُورِ) سَطْرًا يَخْلُو مِنْ لَحْنٍ، أَوْ خَطَأِ إِمْلاءٍ! وَإن فاتَه أن يُخْطِئَ فِي سَطْرٍ اسْتَدْرَكَ بِاثْنَينِ فِيما بَعْدَه! حَتَّى قالَ بَعْضُ الفُضَلاءِ: إِنَّ عَلَامَةَ كَلاَمِ غَيرِه الَّذِي يَنْقُلُه مِن غَيرِ تَصْرِيحٍ -وَمَا أَكْثَرَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ- مِنْ كَلاَمِه الَّذِي يُنشِئُه؛ أَنْ تَجِدَه صَحِيحًا فِي إِعْرَابِهِ وَرَسْمِه! فَمَيِّزْ مَا نَحَلَهُ نَفْسَه -وَلَيْسَ لَهُ- بِهَذِهِ العَلاَمةِ؛ تَعْرِفْ كَثْرَتَه. هَذَا فَضْلٌ، وَما فِيهِ عَلَى هَذَا النَّحْوِ مِنَ الخَلْطِ المَنْسُوبِ زُورًا إِلَى الشَّرِيعةِ؛ أَصْلٌ، وَلَيسَ لَعِبُه بإعرابِ كَلاَمِ العَرَبِ وَمُسْتَقِرِّ رْسْمِه؛ أقَلَّ -قَدْرًا وقُبْحًا- مِن لَعِبِه بأحْكامِ الشَّرعِ، وكَلامِ العُلَماءِ!
والبَعْرةُ تَدُلُّ عَلَى البَعِيرِ، وَالأَثَرُ يَدُلُّ عَلَى المَسِيرِ، أَفَلاَ يَدُلُّ -العاقلَ- لِسانُ هذا؛ عَلَى أَنَّه مَا لَهُ فِي العِلْمِ مِنْ قِطْمِيرٍ؟ فَأسْفَارُ العِلمِ عَرَبِيَّةٌ، وَمَنْ كانَ لَهُ اشْتِغالٌ بِها؛ أَخَذَ مِنْها عِلمًا ولِسانًا وَلا رَيْبَ، وَمَنْ كَانَ لِسَانُه فَاسِدًا كَمَا رَأَيْتَ؛ فَاعْلَمْ أَنَّه فِي عِلْمِه مِثْلُ ذَلِكَ؛ إِمَّا لِضَعْفِ آلَتِهِ فَلَيْسَ يَسْتَفِيدُ إِذَا قَرَأَ وَسَمِعَ، وَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ. وافْقَهْ عِلَّةَ تعَدُّدِ جَوابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- لِمَن سَألَه: أَيُّ العَمَلِ أفْضَلُ.
مَا كُلُّ مَن طَلَبَ المَعَالِي نَافِذًا * فِيهَا وَلا كُلُّ الرِّجَالِ فُحُولا