وقديمًا قيلَ: مِن المعضلاتِ توضيحُ الواضحاتِ، غيرَ أنَّنا في زمانٍ واضحاتُه مشكلاتٌ، فتعيَّنَ أن يُجابَ الإخوةُ إلى ما سَأَلُوا بإجمالٍ كافٍ لمريدِ الهُدى، وتفصيلٍ عِندَ الحاجةِ لا أطيلُ فيه، مع زيادةِ ما ينفعُ -بإذنِ اللهِ- الأخَ السائلَ وغيرَه مِن النصائحِ اللازمةِ في هذا المقامِ.
واللهُ المستعانُ على الهدايةِ إلى السُّنةِ قَولًا وعَملًا.
فأقولُ للأخِ السائلِ الكريمِ: إنَّه قَد قالَ تَعالَى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} إلى قولِه: {وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ} ، وقالَ تعالَى فِي وَصْفِ المؤمِنِينَ الذين يُجزَون"الغُرْفَةَ"؛ تلك المنزلةَ العاليةَ في الجنَّةِ: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ} ، قال شيخُ المفسِّرينَ بعدَ روايتِه لِمَا قيلَ في تفسيرِ"الزُّوْر": (وأصلُ الزُّورِ تحسينُ الشَّيءِ، ووصفُه بخلافِ صفتِه، حتَّى يُخَيَّل إِلى مَن يَسمَعُه أو يَرَاه أنَّه خلافُ ما هُوَ بِهِ) [تفسيرُ الطبري 19/ 314] .
وقد عدَّه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- في أكبرِ الكبائرِ، كما في الصَّحِيحَينِ مِن حديثِ أبي بكرةَ -رضي الله عنه- وغيرِه.
ووَصْفُ (المذكورِ) بالشَّيخِ؛ هُوَ مِن هذا البابِ بل هو داخلٌ فيه دخولًا أولويًّا؛ أمَّا مُطْلَقُ دُخُولِه في قولِ الزُّورِ: فَلِأَنَّه يُفهَمُ -بِدَلالةِ العُرفِ والحَالِ والسِّياقِ- مِن وصْفِه بالشَّيخِ؛ أنَّه مِنْ أهلِ العِلمِ، أو مِن طَلَبَتِهِ المُتَمَكِّنِينَ فيه، أو مِن فنٍّ مِن فُنونِه، وإنْ شِئتَ أن تتوسَّعَ فقُل: أو مِن بابٍ مِن أبوابِه! أو زِدْ وقُلْ: مِن مَسْأَلةٍ في بابٍ، أو مُحَرِّرًا لقولٍ في مسألةٍ! وليسَ (المذكورُ) بشَيخٍ عَلَى أيِّ هذِهِ المراتبِ. وأمَّا دُخُولُه فِي قولِ الزُّورِ بِأولَوِيَّةٍ؛ فَلِأَنَّ فِيهِ أمرَينِ: أنَّها نِسبةٌ دِينيَّةٌ شَرعِيَّةٌ؛ فهو مِنَ القَولِ عَلَى اللهِ بِلاَ عِلمٍ، وَهَذَا مِنْ أكْبَرِ الكبائِرِ. وَأَنَّ فِيها إفْسادًا لِدِينِ النَّاسِ وَإِضْلالًا لَهُم؛ فَلَوْ كانَ هَذَا المَنْسُوبُ إِلَى العِلمِ جاهِلًا ساكِتًا عَنِ الكَلامِ فِيه؛ لكان أهْوَنَ، ولكِنَّه جاهِلٌ مُتَكَلِّمٌ مِهْذارٌ، عَمَدَ إلَى أهَمِّ أبْوابِ الدِّينِ؛ فهَرفَ فِيه وما عَرَف، ونَظَرَ إلَى أعْظَمِ النَّوازِلِ؛ فأفْتَى فيها بأقْبَحِ المَهازِلِ، وأخرَجَ النَّاسَ مِنْ دِينِ اللهِ أفْواجًا، كَأَنَّ شَيطانَ جَهْلِه أَوْحَى إِلَيهِ: أنْ كَفِّرْ مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ!