الصفحة 13 من 30

سلَّمنا له -تَنَزُّلا- في تكفيرِه لحركتي الإخوان وحماس، وأنَّه الحقُّ قطعًا، ولا يجوز غيرُه ... إلخ مما يصف به الجهلةُ أقوالَهم، فهل هذا يجعلُه مِن المعلومِ مِن الدين بالضرورةِ؟ اللهم لا؛ وبيانُه:

أولًا: بأنَّ قولَ الجماعتين بما كفَّرهما به غيرُ معلومٍ بالضرورةِ، وأكثرُ الناسِ لَم تسمعْ به، ومَن سمع به -وهم المتابعون للحركات الإسلامية، وهم قلةٌ في الأمَّةِ- تأوَّلَه بأنَّ مرادَهم مِن الديمقراطية كذا لا معناها الذي يكفر قائلُه، وأنَّهم -وإن شابَهم شَوبٌ- يقولون ببطلانِ العلمانيةِ في كثيرٍ مِن مؤلفاتِهم وتصريحاتِهم ... إلخ، فليس العلمُ بهذا ضروريًّا.

وثانيًا: بأنَّ دعواه بأنَّ (كفر الديمقراطية والعلمانية) معلوم من الدين بالضرورةِ هكذا بإطلاقٍ؛ كذبٌ، نعم أجمعَ العلماءُ على أنَّ الديمقراطيةَ والعلمانيةَ بمعناهما الحقيقي باطلٌ وكفرٌ، ولم يخالف في هذا عالمٌ إلا أن يكونَ مرادُه من الديمقراطيةِ غيرَ معناها؛ لكنَّ الإجماعَ أخصُّ مِن عِلمِ الضرورةِ، فليسَ كلُّ إجماعٍ معلومٌ مِن الدينِ بالضرورةِ، وأكثرُ العامَّةِ لا تَتَصَوَّرُ حقيقةَ العلمانيةِ والديمقراطيةِ، وكثيرٌ ممَّن يَعلمون معناها؛ لا يَعرفون حكمَ الشرعِ فيها مِن حيثُ الإسلامُ والكفرُ، وإن عرفوه -أعني مَن تَصَوَّرَ مَعناهما كما هو- مِن حيثُ الصحةُ والبطلانُ.

وثالثًا: بأنَّ القولَ بأنَّهما كفرٌ؛ بابٌ، وتكفيرُ مَن قال بهما بابٌ آخر، ولو سُلِّمَ بأنَّ وصفَهما بالكفرِ معلومُ مِن الدين بالضرورةِ، فإنَّه لا يَلزَم مِن ذلك كونُ تكفيرِ القائلِ بهما بعينِه معلومًا مِن الدينِ بالضرورةِ، فإنَّه قد يَتَوقَّفُ العالِم أو العاميُّ فيه لشبهةِ عُذرٍ ونحوِه وإن لم يكن في نفسِ الأمرِ معذورًا.

وإذا سقَطَ عَن إحدى هذه المقدماتِ عِلمُ الضرورةِ لم تكن النتيجةُ ضروريةً؛ كيف وهو عن ثلاثتِها ساقطٌ؟

ثمَّ أقولُ:

إنَّ أكثرَ ما يقعُ مِنه الخطأُ في هذا البابِ لمَن عِندَه شيءٌ مِن العِلمِ؛ الخلطُ بين (الإجماع) و (المعلوم من الدين بالضرورة) ؛ والثاني بعضُ الأولِ وليس هو، وأكثرُ ما في مسألتِنا هذه لم يُجمَع عليه؛ فليس بمعلوم من الدين بالضرورة مِن طريقٍ أولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت