الصفحة 14 من 30

ومثل هذا مَن يخلِطُ بين (القول الذي لا يسوغ غيرُه) و (ما ظهر بنصٍّ وسنةٍ) ، وبين ما أُجمِعَ عليه؛ فقد يكون القولُ هو الحقَّ الناصعَ والبدرَ الطالِعَ والسُّنَّةَ المقطوعَ بها، ولكن لا يكون محلَّ إجماعٍ لخلافِ مَن خالف؛ فلا يجوز فيه دعوى الإجماعِ إن لم يكن ثمَّ إجماع حقيقي، والتسويةُ بين الأمرين تزيُّدٌ وكذبٌ.

ومثلُه ظنُّ أنَّ الظهورَ والخفاءَ، والقطعَ والظنَّ، أوصافٌ ذاتيةٌ للمُدرَكاتِ في نفسِ الأمرِ، والصوابُ أنَّها أوصافٌ إضافيةٌ، قد تتفاوتُ في المُدرَكِ الواحدِ؛ فقد يقطعُ عالمٌ بكفرِ معيَّنٍ، ويظنُّه آخر، ويخفى على ثالث، وقد يكون الأمرُ ظاهرًا في عصرٍ أو مِصرٍ لا في غيرِه، وقد يكون ظاهرًا عِندَ طبقةٍ مِنَ المكلَّفينَ لا عِندَ غيرهم، ومَن يحكمُ على المخالِفِ في المسألةِ بمَرتَبَتِها عِندَ نفسِه؛ فقد فحشَ خطؤه، قال شيخ الإسلام:(فإنَّ القولَ الصِّدقَ إذا قيل؛ فإنَّ صفتَه الثبوتيةَ اللازمةَ: أن يكونَ مطابِقًا للمُخبَرِ، أمَّا كونُه عِندَ المُستَمِعِ معلومًا أو مظنونًا أو مجهولًا، أو قطعيًّا أو ظنيًّا، أو يجبُ قبولُه أو يَحرُم، أو يكفرُ جاحدُه أو لا يكفُرْ؛ فهذه أحكامٌ عمليةٌ تختلفُ باختلافِ الأشخاصِ والأحوالِ ....

فهذا أصلٌ عظيمٌ؛ فتدبَّرْه فإنَّه نافعٌ: وهو أن يُنظَرَ في شيئين في المقالةِ:

هل هي حقٌّ أم باطل أم تقبلُ التقسيمَ فتكون حقًّا باعتبارٍ باطِلًا باعتبار؟ وهو كثيرٌ وغالبٌ.

ثم النظرُ الثاني: في حُكمِه إثباتًا أو نفيًا أو تفصيلًا، واختلافِ أحوالِ الناسِ فيه؛ فمَن سلك هذا المسلكَ أصابَ الحقَّ قولًا وعَمَلًا، وعَرَفَ إبطالَ القولِ وإحقاقَه ... ) [مجموع الفتاوى 6/ 60 - 61] .

ثُمَّ قد يقعُ الخطأُ في هذا البابِ؛ مِن الخلطِ بين عينِ (المعلومِ مِن الدينِ بالضرورةِ) ، وبين لازِمِه ومقتضاهُ وأفرادِه إذا كان جِنسًا أو قاعدةً كليًّةً. وعَدمُ التفريقِ بين الأمرين لا يصحُّ إلا على مذهبِ أبي خرافةَ؛ فرُبَّما غاب اللازمُ عَن الذهنِ، وربما لم يُسلَّمْ بلزومِه، وربمَّا كان إلحاقُ الفردِ بجِنسِه أو بالقاعدةِ الكليةِ نظريًّا -وهذا غالبٌ-، وربما لم يكن مقطوعًا به؛ وكان محلَّ نزاعٍ سائغٍ، أو غيرِ سائغٍ، إلى آخرِ ما يردُ على الاستدلال أو الإلحاق في المسائلِ النظرياتِ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت